الإثنين، 5 تشرين الأول 2026
النظام الجديد

نشرة فكرية وثقافية

الرئيسية › ثقافة

ثقافة

العدد الثاني

ادارة التحرير ٨٤ دقائق قراءة

فهرس العدد الثاني 

01-  رد على بيان رئيس الحزب يوسف الأشقر

المفكر القومي هنري حاماتي

02- عودة سعادة الثانية الى الوطن 

احمد اصفهاني 

03- 

الدكتور علي حمية

04-  مذكرة البابا الأخيرة :
هل كان يسوع إبن مريم معادياً للسامية ؟

شحادة الغاوي

05-   المثالية الأولى : همّ سعادة الأ ول

الدكتور جهاد عقل

06-  الجمال في فكر سعاده: فلسفة القيمة ونهضة الفنون

سعادة عبد الرحيم 

07-  سعاده: بناء سورية جديدة

طه غدار


01- رد على بيان رئيس الحزب يوسف الأشقر عام 1992

المفكر القومي هنري حاماتي

كان رئيس الحزب يوسف الأشقر قد عقد مؤتمرا صحافيا في 15.10.1992 ألقى فيه بيانا حزبيا.

فيما يلي نعرض رأي المفكر القومي الاجتماعي هنري حاماتي بمضمون البيان....مع الاشارة الى انه غير منشور سابقا....

و مما أعلنه رئيس الحزب يوسف الأشقر «ولطالما ناضل حزبنا أيضاً لممارسة حقه السياسي في الاشتراك في الدولة، سعياً لتوفير الشروط الضرورية لسلامة الدولة، وسلامة وظيفتها في المجتمع، إلا أنه أنكر على حزبنا هذا الحق وتعرض في تاريخه لأبشع ممارسات القهر والتنكيل وحملات التشويه، لتبرير حرمانه...

فإذا كان حزبنا اليوم يتاح له أن يمارس حقه في الحكم بعدد من النواب وفي الوزارة، فرفعاً لغبن تاريخي أصابه، وأصاب معه المجتمع والدولة، وحصيلة لنضال طويل دخلت به حركتنا وجدان الشعب واكتسبت ثقته».

هذا الكلام يعبر عن اتجاه جديد في الحزب القومي الاجتماعي، في مستوى المفهوم، وهو يحمل بين كلماته طريقة جديدة لتفسير تاريخ الحزب القومي وطريقة جديدة في العمل السياسي، في مستوى الممارسة.

إن شرح أبعاد هذا الكلام، وتحليل المبادئ السياسية التي يصدر عنها، والتي أسهب رئيس الحزب القومي في عرضها في مؤتمره الصحافي... يحتاجان إلى مئات الصفحات من المراجعة والمناقشة والمقارنة. (نأمل أن يتاح لنا الخوض فيها مستقبلاً)، ولذلك سنكتفي ههنا، بالدلالة على مضامين هذا الكلام الجديد، في بضع ملاحظات:

أولاً: إن قول رئيس الحزب القومي إن حزبه «ناضل لممارسة حقه السياسي في الاشتراك في الدولة»... هو كلام لا معنى له أبداً. وذلك لأن «حق الاشتراك في الدولة» هو حق مطلق، ومجاني، للأفراد وللأحزاب جميعاً بالسواء. فكل مواطن هو عضو في «الدولة». كل مواطن إطلاقاً، كان، وهو اليوم، وسيبقى عضواً في الدولة: مارس، ويمارس حقه السياسي فيها. وأنطون سعاده نفسه كان يعرف هذه الحقيقة، وهو القائل: «نحن أعضاء في الدولة اللبنانية...» في أحد بياناته السياسية. وبهذا هو يعبر عن حقيقة أساسية لا عن موقف سياسي. هو يذكر الحكام من خصومه بأن الناس أعضاء في الدولة، وأن لهم حقوقاً. والفرق بين «مفهوم» أنطون سعاده للدولة والحقوق السياسية، «ومفهوم» رئيس الحزب القومي الأستاذ يوسف الأشقر حاصل من أن الأستاذ الأشقر لا يفرق بين الدولة والحكومة. فالدولة غير الحكومة، أو الحكم. والمغفور له أنطون سعاده كان عالماً عظيماً، لا يمكن أن يدمج مفهوم الدولة بمفهوم الحكم أو السلطة أو الحكومة. فلعل الأستاذ الأشقر يريد أن يقول: «ولطالما ناضل حزبنا لممارسة حقه السياسي في الاشتراك في الحكم...» ونحن نرجح أن الأستاذ الأشقر يريد أن يتكلم عن الاشتراك في الحكم، لا الاشتراك في الدولة.

ثانياً: لم يذكر أنطون سعاده بالحقوق السياسية للناس، بوصفهم أعضاء في الدولة، في مجال التنظير الفكري، لأنه يعلم أن العالم المتمدن كله يعرف هذه الحقيقة، ويقر بها في دساتير دوله. ودستور الدولة اللبنانية يؤكد هذه الحقوق، بوصفه دستور دولة ديمقراطية الشكل، تنبع السلطة السياسية فيها، أي الحكومة والرئاسة، من الشعب: من الناس، ولكنه كان مضطراً للتذكير بحقوق المواطنين السياسية، لاتهام الحكومة بالاعتداء على حقوق المواطنين لمنعها الحزب القومي من العمل ومطاردة زعيمه.

ثالثاً: من غير المعقول أن نفهم موقف أنطون سعاده من الحكومة اللبنانية، يوم منعت عنه حرية العمل السياسي، وهو حق سياسي معترف به في دستور الدولة، أنه موقف إنسان يطالب بحقوقه، بل هو موقف إنسان يعرف حقوقه ويمارسها دون إذن من الحكومة... بل هو موقف إنسان ينتقد الحكومة ويهاجمها ويتهمها بالاستبداد والديكتاتورية والعسف، مستعيناً على ذلك بالمفهوم الثابت للحقوق السياسية الثابتة التي لا تستطيع حكومة أن تنكرها.

رابعاً: لم نقرأ يوماً في نص واحد من كتابات أنطون سعاده وأقواله أنه طالب بالاشتراك في الحكومة أو الحكم. فخطأ كبير تفسير كلام سعاده عن حقوق عضوية الدولة، بأنه مطالبة في الاشتراك في الحكم. بل إن تفسيراً كهذا ينافي كل مواقف أنطون سعاده من الدول والحكومات بالسواء.

خامساً: بناء على ما تقدم نستطيع أن نستخلص أن الأستاذ يوسف الأشقر يفترق عن كل دارسي تاريخ الحزب القومي ومرافقيه في تفسير تاريخ «نضال» هذا الحزب: هو يعتبره «نضالاً لممارسة حقه السياسي في الاشتراك في حكم الدولة...» صارفاً النظر كلياً عن موقف الحزب من حقيقة الدولة، من حيث هي كيان سياسي، ومن حيث هي نظام حكم، وصارفاً النظر كلياً عن حقيقة الحكم، من حيث هو سلطة تمثل القوى السياسية الغالبة في الانتخابات من حيث هو سلطة تمثل القوى السياسية الغالبة في الانتخابات النيابية والرئاسية.

- لقد كان الحزب القومي ضد قيام الكيان اللبناني قبل أن يقوم، وبعد قيامه اعتبره «أمراً مفعولاً» صنعته «تجزئة» سياسية استعمارية، واستمر يدعو إلى وحدة «سورية الطبيعية».

- لقد كان الحزب القومي ضد النظام اللبناني لأنه نظام «طائفي» و«انعزالي»، و«رجعي».

- لقد كان الحزب القومي ضد «الحكم» في لبنان، في عهد الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال، لأن الحاكمين في نظره «طائفيون» و«جهال» و«عمال للإرادات الأجنبية»، و«مستبدون»، و«وصوليون»، و«منتفعون» و«مخربون»... أفراداً وأحزاباً بالسواء!

سادساً: بموجب هذا الموقف الثابت للحزب القومي في عهد أنطون سعاده، كان أنطون سعاده معارضاً، لا للحكومة فقط، بل للكيان السياسي الانعزالي، وللنظام اللبناني الفاسد، وللحكومة أفراداً وأحزاباً.

بل كان أكثر من معارض: كان داعية لعصيان، ومخطط لثورة.

فكيف يصح للأستاذ يوسف الأشقر وصف هذا الموقف الثابت للحزب وزعيمه بأنه وضعية «حرمان»!... فيما هو موقف عصيان وثورة!!!

أليس أنطون سعاده هو القائل: «نحن حزب عقيدة. نحن حزب يقين. نحن حزب عمل. نحن حزب قتال في سبيل حياة أمة...»!؟!

أليس هو القائل: «لا يجوز لي التساهل مع أي مواطن في هضم حق لشعب بأسره»!؟!

أليس هو صاحب الثورة عام 1949.

هل كانت الثورة التي أعلنها عام 1949 ونفذها، وأودت بحياته، من أجل الاشتراك في الحكم؟ وهو القائل، قبل الثورة بأشهر معدودة: «لسنا حزب بيانات تستغل عواطف الشعب لأنه ليست لنا مصالح وصولية».

أبعد هذا كله، يجوز لنا أن نرى في شخصية أنطون سعاده إنساناً محروماً؟! محروماً من الاشتراك في الحكم!!

سابعاً: لقد طلبوا من «الزعيم» الاشتراك في الحكم مع الأحزاب الحاكمة، في لبنان أو غير لبنان، أكان يقبل؟ أليس هو القائل: «إن جميع الأحزاب السياسية في هذا الوطن أحزاب تخريبية لا أحزاب إنشائية، والقضايا الوحيدة  التي تتناولها تلك الأحزاب كانت قضايا سطحية».

«فالأحزاب التي تسير من تضليل إلى تضليل هي أحزاب وصولية، وهي منبع شقاء هذا الشعب... عليكم أن تدركوا المرامي اللاقومية التي تعمل لها هذه الأحزاب الوصولية».

ثامناً: كان «الزعيم» يفكر في أمور تتجاوز إطار التفكير السياسي اللبناني، وكان حكمه على الحكام والأحزاب الحاكمة، خلال حياته، صادراً عن فكره الشخصي، عن عقيدته التي تهتم بأمور ذات أبعاد سياسية تخرج عن نطاق هموم الحكم والحكام، وتخالف مواقفهم منها، وهي أمور أساسية بالنسبة إليه، ولكنها لا قيمة لها إطلاقاً بالنسبة إليهم.

هو يقول: «قداسة العمل القومي الاجتماعي أعظم من أية قداسة أخرى. وأعمالنا أروع من الخلود في الجنة، وأهدافنا القومية أعظم شيء لنا في الأرض، وما وراء الأرض».

كان أنطون سعاده يزرع في عقول أتباعه هذه القداسة، لأنه كان يحتاجها. فبدون هذا «التقديس» للعمل القومي، كما تصوره «عقيدة القومية السورية»، لا يستطيع لا هو ولا حزبه أن يقنع الأعضاء بالتخلي عن «المرامي اللاقومية» التي يعمل لها السياسيون في أحزابهم، والتي تؤلف هموم الحياة السياسية اليومية، ثم العمل للمرامي «القومية» التي تدعوه وتدعو حزبه وتدعو أعضاء الحزب إلى «توحيد الصفوف» لتحقيقها.

هذه المرامي القومية، حين نطالعها في كتابات أنطون سعاده، في أواخر أيام حياته، كانت تتمثل له، سلباً، في «الأخطار العظمى» التي تطوق «الأمة السورية» من كل جهة، وهي أخطار لا يشعر بها حكام لبنان، أو غير لبنان، ولا يولونها أي اهتمام في برامج حكمهم لأنها، حسب عقيدتهم هم، ليست أخطاراً على دولة لبنان، أو على نظام الدولة، أو على السلطات السياسية الحاكمة في الدولة بواسطة هذا النظام.

فلنسمعه:

«خسرنا الإسكندرون، لكن هل تظنون الدولة التركية الفتية، ككل دولة حيوية أخرى في العالم، ستكتفي باللواء فقط؟ كلا... وطالما نحن في تفسخنا، فالحيوية النامية على حدودنا ستظل تمتد، فالخطر في الجبهة التركية لا يزال ماثلاً اليوم، وسيتحول قريباً إلى خطر مخيف.

«ثم هناك خطر ثان يلوح في الأفق، إنه خطر كردستان، وإنشاء دولة كردية...».

«فلا نظنن أن الخطر هو فقط في فلسطين».

«إن الأخطار تدور حول وطننا من كل ناحية».

لا بد من الوقوف باحترام أمام ذكاء بل عبقرية أنطون سعاده التي شاهدت، في العام 1948، (في خطاب له في حلب) أي في عام النكبة الفلسطينية، أخطاراً أخرى كالخطر التركي – والأتراك يهيمنون اليوم على الفرات، وكالخطر الكردي الذي حالت المصالح الغربية أيام الحرب الباردة دون تحقيق أغراضه في دولة كردية مستقلة، والذي نشاهده اليوم بعد خمسة وأربعين عاماً، تحققه، بأقبح صورة، على أيدي الغربيين الخارجين منتصرين من الحرب الباردة.

ولكن هل كان ممكناً لأنطون سعاده يفكر فعلاً بمشاركة الكتلة الوطنية حكمها في الشام. عام 1938، يوم تنازلت الكتلة الوطنية عن الإسكندرون للأتراك؟

هل كان فعلاً يفكر في الاشتراك في الحكم مع الأحزاب اللبنانية والأردنية والشامية والعراقية والفلسطينية التي حصلت نكبة فلسطين الأولى عام 1948 على أيديها، وهو يصفها بما يصفها به من أنها «مصدر شقاء هذا الشعب»؟!

تاسعاً: كل من يقرأ أنطون سعاده، في أي خطاب أو مقالة له، يشعر أنه يتكلم بسلطة. فهو يعتبر نفسه صاحب سلطة. والحقيقة أن سلطة أنطون سعاده لم يعترف له بها أحد من الناس إلا أتباعه. فهي سلطة حزبية ضيقة لا تسمح لإنسان – أي إنسان – أن يخاطب الناس جميعاً بعبارات لا تصدر إلا عن صاحب سلطان فعلي.

وخلال دراستي لشخصية أنطون سعاده، طرحت على نفسي هذا السؤال: «أمامنا رجل متوقد الذكاء، واسع العلوم، عظيم الثقافة، ولكن «لهجة السلطة» في كلامه أعظم بكثير من وافر ذكائه وعلومه وثقافته.

وأمامنا زعيم حزب منتشر في أنحاء البلاد جميعاً، متسللاً إلى كل جماعات الشعب بل الشعوب في هذه المنطقة المدعوة في عقيدته «سورية الطبيعية»، ولكن «لهجة السلطة» في كلامه أعظم كثيراً من حجم حزبه وقوته.

وأخيراً أمامنا رجل سياسة اتسع تفكيره السياسي اتساعاً يجعل دارسة اليوم، بعد قرابة نصف قرن من غياب، يشعر أنه أمام نظرات سياسية نافذة لا تكتفي بمشاهدة الأحداث وتحليلها، بل تذهب إلى استباقها في رؤية عجيبة أقل ما يقال بها إنها مشاهدة الدارس العارف المدقق... ولكن «لهجة السلطة» في كلامه أعظم كثيراً من عقله السياسي الذي سيبقى مرجعاً لقضايا المنطقة إلى أجل غير مسمى...

فما سر هذه «السلطة» في خطاب أنطون سعاده السياسي؟

هذه السلطة التي تأسر قارئد، وتهيمن عليه، وتنفذ إلى أعماقه، فيتلقاها في عبارات أولى يقرأها، بتعجب! ويحتملها خلال السطور الأولى تأدباً! ثم يستعين عليها خلال الصفحات الأولى ليبررها، يصدر من مواقف هذا الرجل الرجولية في «المحكمة الفرنسية»، أو في المحكمة العسكرية التي قضت بإعدامه، أو في وقفته الشجاعة أمام فرقة إعدام تستعد لقتله... ثم لا يلبث القارئ أن يشعر أنه داخل منطق مضبوط في جدلية تاريخية صارمة ذات طرفين، أحدهما (قدس) أول اسمه «الأمة السورية»، بكل ما فيها من متاعب ومشاكل ومصائب، والثاني شيطان ضخم ذو رؤوس لا حصر لها تلتف على «الأمة السورية» وتنهشها من كل جانب... وهكذا، كلمة كلمة، وخطوة خطوة، يجد قارئ أنطون سعاده نفسه داخل صراع تاريخي دهري يتحسس فيه مواجع وجوده ويتعرف فيه على قدرات أمته وويلاتها وحقوقها، وأبنائها، وأعدائها، ويشاهد فيه أوصالها مقطعة، وبقاياها مهددة... حتى إذا اتسع أفق وعيه، بدأت نفسه تتلمس جسد مجتمعه وتستوعب مآتي الأزمنة الخالية، ومخاطر الأزمات الحاضرة وأهوال الأيام الآتية...

هرعت نفسه إلى نفسه، باحثة عن قوة خلاص. فلا يرى بين عجيج السياسة وضجيج السياسة غير هذا العملاق، واقفاً أبداً ههنا شامخاً مهيمناً زاجراً هادئاً صارخاً، داعياً إلى احترام النفس كاحترامه نفسه.

– ما سر لهجة السلطة في خطاب أنطون سعادة؟

إنها النواة الأولى لروح الحكم في الدولة المركزية القومية. العقيدة التي ستضطلع بمصالح «الأمة السورية» وحقوقها.

روح الفكر الستراتيجي العارم، وروح المبادئ التعليمية البناءة، وروح السيادة القومية، وروح المسؤولية القومية الأولى... وهي كلها غائبة لا وجود لها، لا في مؤسسات «الدول السورية» ولا في الأحزاب «السورية»، على اختلافها... وخصوصاً في هذا الحزب المدعو الحزب القومي.

هذه الروح تمثلت لسعاده، فكراً وتخطيطاً وممارسة، في قوة فعلية تسحق القوى المعادية «للأمة السورية» في الداخل والخارج: في الداخل قبل الخارج.

عاشراً: بهذه الروح، يرفض سعاده التعامل مع الأحزاب الأخرى، فهو ليس فقط لا يمكن أن يشعر «بالحرمان» إن هي حاربته، أو حاربت حزبه، وتواطأت مع الأجنبي والمحتل عليه وعلى حزبه، بل هو يريد أن (يحرم) هذه الأحزاب من (حق) المتابعة في خدمة أعداء البلاد من أجل منافع حقيرة لأصحابها يحرمها من (حق) تمزيق الأمة والتفريط بحقوقها لأعدائها.

حادي عشر: «كانت قبلنا أحزاب واضمحلت، وانتقل رجالها إلى أحزاب أخرى، ونشأت بعدنا أحزاب قلدتنا في تفكيرنا وأساليبنا في تعابيرنا... ثم عادت واضمحلت حتى إذا نشأت أحزاب أخرى على أنقاض تلك نقلت معها ذهاب الأخلاق، وفساد المناقب، وتعلم هذا الشعب التلون، والتراجع، والجبن، والخوف، والهرب...

«نحن في سيرنا وفي تمييزنا للأمور، وفي أننا حزب عمل وصراع وقتال، حزب استقلال قومية هذا الشعب السوري، سنواجه الأخطار المحدقة بالأمة بصراعنا مع الأخطار.

إننا حركة صراعية.

إننا نريد أن ننهض لننظم قومية الأمة، ونرفع الأمة من الانحطاط الذي رمتها فيه الحزبيات النفعية».

إن متابعة قراءة الأستاذ يوسف الأشقر أشعرتني أن «الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي يترأسه هو غير الحزب السوري القومي الذي أسسه أنطون سعاده، وقاده، وأورثه روح الفكر، والتعليم، والسيادة، والمسؤولية.


1 – بتأسيس الاتجاه القومي الاجتماعي تحققت النهضة الروحية في الأمة، أي تم الخروج من زمان الرجعة بكل فوضاها، وشكوكها وبلبلتها وتناقضاتها إلى الزمان الجديد، زمان البعث والتقدم السوريين.

2 – لقد تأسس الحزب على نظرية الرفض لكل المنظمات والمؤسسات القائمة، ولكل الأشخاص غير الصالحين، وعلى أساس العقيدة القومية الاجتماعية، التي بها أمكن اجتماع الأمة السورية (ممثلة بأعضاء الحزب) في داخل الحزب، الذي نجد فيه أعضاء من جميع فئات الشعب وجماعات الأمة.

3 - «الحقيقة أيها الرفقاء أننا تربطنا في هذا الحزب لأجل عمل خطير جداً هو إنشاء دولتنا، وليكون كل واحد منا عضو دولته المستقلة».

4 – الدولة هي المجتمع المنظم في روحه وجسمه القادر على القبض على زمام السيادة القومية على الوطن، وصيانة السيادة الذاتية للأمة فتبقى أمة حرة.

5 –التأسيس دعوة إلى النضال القومي الاجتماعي التحريري، فهي المبادئ التي تتطلب منا الانطلاق إلى ساح الصراع ما دامت بلادنا مغتصباً بعضها، مسلوخاً بعضها، ومحتلاً بعضها، وما فتئت الأمراض الاجتماعية الروحية والمادية تمزق أمتنا وتشل قدرتها على الحركة.

6 – بدون النضال الموجه بالمبادئ والغاية القوميتين الاجتماعيتين، يفقد الحزب حقيقته: كونه منظمة صراع مؤلفة، كما قال سعاده، من جنود في الإدارة وجنود في الإذاعة، وجنود في الثقافة، وجنود في السياسة، وجنود في الحرب.

7 – بالجندية التي يؤكد عليها سعاده تعني الالتزام بالمبادئ وبالحرب في سبيلها القومي الاجتماعي حتى النصر.

8 – ومن هنا ضرورة النظر إلى ما يهدد وجودنا القومي نظرة جديدة ومسؤولة. فدولة الحزب هي مرجعيتنا وهي مركز قرارنا، ومبادئ الحزب هي مجاري شعورنا وتفكيرنا، فلا يتحركان إلا فيها، وغاية الحزب هي نصر نهضة الأمة.... وكل ما دون ذلك باطل.

9 – لينظر كل واحد منكم إلى ما يجري في بلادنا وحولها في العالم في هذا الزمان العصيب، بعين القلب وعين العقل القوميتين الاجتماعيتين، عندئذ يرى إلى الحق ويفصله عن الباطل، ويرى إلى الطريق المؤدية إلى الحق فيمضي فيها حتى يكون فوز للأمة السورية بيّن.

10 – الاتجاه الجديد، نعني به ذلك الاتجاه الذي أراده سعاده روحاً للأمة، بديل الاتجاهات الرجعية الطائفية والعنصرية، والطبقية، والعشائرية والخصوصية، بكل أصنافها التي هي أرواح عملت تمزيقاً في الأمة ووحدتها، وما تزال، وهي التي كانت مسؤولة عن مسلسل الكوارث والهزائم السياسية والعسكرية والاقتصادية، وغيرها.

- إن جميع الأحزاب السياسية الأخرى في هذا الوطن، أحزاب تخريبية لا أحزاب إنشائية، والقضايا الوحيدة التي تتناولها هذه الأحزاب كانت قضايا سطحية.

- العامة ليس بإمكانها أن تدرك أن إنشاء كردستان وتسلح الصهيونية على الحدود، وتحفز تركيا أشد خطراًمن قضية «خبز الشعير».

- فالأحزاب التي تسير من تضليل إلى تضليل هي أحزاب وصولية وهي منبع شقاء هذا الشعب.

عليكم أن تدركوا المرامي اللاقومية التي تعمل لها هذه الأحزاب الوصولية.

إن الإنقاذ الكلي هدفنا.

- نحن حزب عمل وحزب قتال، تاريخنا يشهد أننا حزب عمل وحزب قتال، فلا مفر لنا من القتال.

- نحن حزب عمل، حزب تنظيم، حزب قتال، حزب بناء وتجديد... حزب وحدة الصفوف بالعمل، ماذا يفيد المنطق مع من يريد أن يحارب في سبيل مصالحه الخاصة؟ أو في سبيل إقطاعية؟ أو في سبيل طائفية؟ لا يفيد المنطق شيئاً مع أناس كهؤلاء، ولا يمكن لسورية أن تنتقل من طور إلى طور عن طريق الإقناع ولم يحدث ذلك في تاريخ أمة واحدة من أمم العالم.

02- عودة سعاده الثانية إلى الوطن

عراقيل وتحديات

أحمد أصفهاني

الجولة الحزبية التأسيسية التي كان أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه، يخطط لها ناحية القارة الأميركية (الجنوبية والشمالية) تحولت إلى كابوس ظل يعرقل جهوده على مدى تسع سنوات. فبعد الزيارة الناجحة نسبياً إلى ألمانيا وإيطاليا، وصل سعاده إلى البرازيل في 30 تشرين الثاني سنة 1938 لتبدأ أولى مشاكله. فقد روّج خصومه من الانعزاليين والطائفيين إفتراءات عن علاقته بالأنظمة النازية والفاشية. واتسعت هذه الحملة بعد صدور جريدة "سورية الجديدة" في سان باولو بتاريخ 11 آذار سنة 1939، وفيها انتقادات قوية ضد المتواطئين مع الاستعمار الفرنسي.

وبناء على تلك الدسائس والإشاعات التي يقف وراءها عملاء فرنسا في البرازيل، ألقت سلطات الأمن في سان باولو القبض على سعاده في 23 آذار للتحقيق معه بتهمة الترويج لدولتي المحور ألمانيا وإيطاليا. ولمّا تبيّن لقاضي التحقيق أن التقارير السرية المرفوعة إلى الأجهزة الأمنية كاذبة تماماً، أمر بإطلاق سراحه في 30 نيسان من دون اتخاذ أي إجراء بحقه. (1) ومع اقتراب موعد انتهاء المدة القانونية المحددة لإقامته في البرازيل (ستة أشهر)، قرر سعاده مواصلة جولته في أميركا الجنوبية، قاصداً الأرجنتين في 14 أيار. ولكن تمنّع القنصلية الفرنسية في بوينس آيرس عن تجديد جواز سفره، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية في أول أيلول 1939 أجبراه على البقاء هناك لمدة ثمانية أعوام تقريباً.

"وتعطلت بفعل الحرب الاتصالات بين سعاده والحزب في سورية وذلك تمهيداً لقطعها نهائياً بسبب الرقابة المفروضة وملاحقة اعضاء الحزب".(2) وإلى جانب تقطع السبل بين الدول خلال الحرب، فإن التواصل بين سعاده ومركز الحزب في بيروت بات متعثراً إن لم يكن مستحيلاً. ولم تعد التفاصيل الحزبية تصله مباشرة من الجهات الرسمية. فصار اعتماده الأساسي على بعض الأخبار الصحافية أو ما يتناهى إلى المغتربين بطريقة أو بأخرى. بل أن الأخبار نفسها كانت تتأخر لأسابيع وربما لأشهر قبل أن تصل إلى تلك المناطق النائية. ويمكننا القول إن فترة الأربعينات من القرن الماضي عرفت مسارين حزبيين قوميين يتلاقيان أحياناً ويفترقان أحياناً أخرى: مسار يقوده الزعيم في الأرجنتين، مع تواصل يشمل عدداً محدوداً من الفروع الحزبية في القارة الأميركية وأفريقيا الغربية. ومسار آخر يتولاه المجلس الأعلى برئاسة نعمة ثابت، ويتعامل مع وقائع جديدة فرضتها الحرب على كل الأطراف في الوطن. وكان لا بد من أن يصل هذان المساران إلى نقطة تقاطع حاسمة عندما تزول ظروف الحرب الاستثنائية.

وبدأت الأمور تتغيّر حينما وقّعت ألمانيا وثيقة الاستسلام للحلفاء في 8 أيار 1945. غير أن الحرب ظلت مستمرة في مناطق المحيط الهادئ إلى أن استسلمت اليابان رسمياً في 2 أيلول من العام نفسه. ويُعتبر هذا التاريخ النهاية الرسمية للحرب. وشيئاً فشيئاً عادت الأوضاع إلى طبيعتها، خصوصاً في ما يتعلق بالاتصالات والمواصلات بين الدول. وقد سارع سعاده، الذي كان ينتظر هذا الأمر بفارغ الصبر، إلى تنظيم عملية التواصل مع المركز في بيروت بعد انقطاع طويل. وطلب من الفروع في الخارج أن تحاول "الاتصال العاجل بمكتب عبر الحدود أو بأية مؤسسة من مؤسسات الحزب المركزية"، داعياً إلى الحيطة والحذر: "واجعلوا الكتاب الأول بشكل تحفظي إلى أن تردكم أول رسالة، ومنها تقفون على شكل المراسلة الذي يمكنكم التعويل عليه".(3)

كان سعاده مدركاً أن الحرب عرقلت أعمال الحزب وأوقفت نموه وعطلت الشيء الكثير من تجهيزاته (4)، لذلك نراه يكتب إلى الرفيق أمين الأشقر وكيل منفذ منفذية الشاطئ الذهبي بتاريخ 20 كانون الأول 1945: "إن انتهاء الحرب وعودة المواصلات إلى مجاريها يقضيان بنتيجة حتمية: لم الشعث وجمع الصفوف وحشد القوى واستئناف الجهاد المنظم". ويشتمل هذا التحرك المتجدد على أمرين مهمين بالنسبة إلى سعاده: الأول عودته إلى الوطن بعد غياب قسري دام حوالي تسع سنوات. والثاني تلقي مطبوعات وتقارير من مركز الحزب في بيروت، ما يجعله على بيّنة من حقيقة الأوضاع في الحزب وفي الأمة.

من حيث المبدأ، كانت فكرة العودة إلى الوطن على رأس سلم أولويات الزعيم. ومع ذلك كان بحاجة لدراسة الوضع بدقة. يقول في رسالة بتاريخ 20 آذار 1946: "لكن أمر عودتي إلى الوطن يتوقف على بحث هذه النقطة مع المجلس الأعلى، وعلى التقارير التي ستردني من المجلس الأعلى موضحة الحالة الراهنة هناك". وعندما عُرضت عليه فكرة زيارة الشاطئ الذهبي وهو في طريق العودة، كتب يقول إن ذلك يتوقف على "تقرير العودة إلى الوطن وعلى المخابرات والاستعدادات التمهيدية لهذه الزيارة، والأمور مرهونة بأوقاتها". (5) وإلى أن يحين الوقت، طلب من منفذية الشاطئ الذهبي أن يبلغوا المركز للإتصال به "إذا استحسن المجلس الأعلى". كما طلب أن ترسل إليه النشرات الصادرة في الوطن من دوائر الحزب، وجميع المنشورات التي يهمه الاطلاع عليها.

وكان سعاده قد تلقى في 24 تشرين الأول 1945 تقريراً من الرفيق رفيق الحلبي ناموس منفذية الساحل الذهبي تحدث فيه عن انتشار الحزب في الكيان اللبناني واتساع نشاطه، ودوره الفاعل في انتخابات بيروت الفرعية... إلخ. ويهمنا من رسالة الناموس عبارة تقول إنه يكتب إلى الزعيم بإيعاز من المجلس الأعلى، "رئيسه الدائم الأمين نعمة ثابت" الذي طلب أيضاً "وجوب تقصي أخبار الزعيم ومعرفة ما يمكن معرفته عنه". ومع اقتراب العام 1945 من نهايته، باتت معالم الطريق واضحة عند سعاده. فهو ينتظر رسالة مطولة من المجلس الأعلى تشرح له الحالة الراهنة في الوطن لكي يتمكن  من رسم خطة عمله للمستقبل. غير أنه يرفض التسرع، بل يرى أنه من المهم تبادل الرسائل مع المجلس الأعلى "لتعيين وجهة العمل المقبلة".(6) وهو يترك المجال مفتوحاً لكل الاحتمالات: "يجب تدقيق النظر في السياسات الحكومية في الوطن في صدد الحزب السوري القومي وفي حالة الحزب السياسية وموقفه. وإذا كانت القوى الحزبية مستعدة لخوض المعركة السياسية المقبلة التي لا بد منها، فإن وجودي في الأرجنتين لا يكون صالحاً ولا بوجه من الوجوه. وإذا تبيّن أنه يحسن تأجيل عودتي إلى الوطن بانتظار نتائج معينة، فيجب إما أن أنتقل من الأرجنتين إلى وسط قومي حي تتوفر لي فيه أسباب العمل، وإما أن يأتي من الوطن أو من وسط قومي صحيح في عبر الحدود رفقاء مؤمنون مخلصون يلازمون الزعيم ويكونون عوناً له على تصريف أعمال مكتبه وتحقيق ما يرسمه".

غياب الزعيم يُقلق الرفقاء

وفي حين كانت القيادة المركزية في بيروت تتباخل وتتباطأ في تزويد الزعيم بالمعلومات الضرورية، كان رفقاء عاديون يعبّرون في رسائل شخصية إلى أقربائهم في المهجر عن قلقهم ـ وربما عن غضبهم ـ مما يجري في الوطن. فقد تلقى سعاده مطلع العام 1946 من بوسطن (أميركا) إرسالية بريدية تحتوي منشورات وكتيبات ومطبوعات حزبية مختلفة. ومع هذه الرزمة رسالة خاصة أقلقت سعاده بعمق، فكتب إلى زوجته رسالة بتاريخ 25 كانون الثاني 1946 قال فيها (7): "يوجد رسالة موجهة من أحد الرفقاء في الوطن إلى رفيق في أميركانية وفيها يسأل بإلحاح وحدّة عن الزعيم ولماذا لا تصل رسائل وأخبار منه إلى الحركة في الوطن، ويصف بعض الحوادث الهامة التي جرت والأعمال السياسية التي قام بها الحزب مؤخراً. ولا تسلي عن تأثري لكل ذلك".

في هذه الأثناء كان الطالب القومي الاجتماعي غسان تويني قد وصل إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراساته الجامعية. وقد كلفه المجلس الأعلى بمهمة الاتصال بالزعيم، ووضعه في صورة الأوضاع الحزبية والقومية، ونقل رسائل ووثائق سريّة إليه، إضافة إلى كمية كبيرة من المؤلفات والبيانات والنشرات الصادرة عن مركز الحزب. وكانت رسالة سعاده الجوابية في 21 شباط 1946 مفعمة بالارتياح (8): "وإني أهنئك من صميم قلبي بالثقة التي حزتها أمام المجلس الأعلى الموقر ومجلس العمد، حتى أن المجلس الأعلى الموقر انتدبك لمهمة شديدة الخطورة ودقيقة جداً هي مهمة الاتصال بي وإعطائي صورة صادقة للأمور المفوض إليك نقلها إليّ وإيصال وثائق سرية إليّ". وهكذا تأمنت صلة التواصل بين الزعيم والمركز بواسطة تويني أولاً، ثم مباشرة بعد ذلك.

غير أن هذه الصلة ظلت عُرضة لتلكؤ مقصود من قبل المجلس الأعلى، وقد تعامل معه سعاده بصبر وحنكة في المرحلة الأولى. يقول في رسالة إلى نعمان ضو بتاريخ 17 آذار 1946: "لم يعد يردني شيء من الوطن سوى كتاب من الأمين معروف صعب. وقد أجبت وأنتظر وصول أخبار جديدة".(9) لكنه تلقى في مطلع نيسان تقريراً مطولاً من تويني، أعطاه صورة واضحة عن الأوضاع الراهنة للحزب في الوطن. ومع أن التواصل مع المركز كان قد تعزز، إلا أن سعاده تابع الكتابة إلى تويني متناولاً مجموعة من المسائل الفكرية والحزبية والتاريخية. وتعتبر هذه الرسائل من أهم المصادر لمعرفة توجهات سعاده في تلك الفترة. ونستشف من قراءة الرسائل المتبادلة مع تويني ومع المجلس الأعلى، على ضوء ما نعرفه الآن، أن الطرفين كانا في وضعية "التعارف" مجدداً بعد انقطاع طويل!

وفي نيسان 1946، تلقى سعاده مباشرة أول رسالة من نعمة ثابت مؤرخة في 28 آذار، وقد ردّ عليها بتاريخ 20 نيسان متناولاً مجموعة من المسائل من بينها عودته إلى الوطن: "إذا كانت الحالة موافقة لعودة الزعيم إلى الوطن فيوجد لهذه العودة وجهان: 1 ـ أن يعود لضرورة مستعجلة كقرب الانتخابات اللبنانية ووجوب الاشتراك فيها. 2 ـ أن يعود لحاجة مستمرة بصرف النظر عن الضرورات المستعجلة (...) وفي كل حال يمكنني السفر لخوض المعركة حالما يصبح ذلك ضرورياً وتحصل الموافقة اللازمة من أصحاب الحكم وذوي العلاقة ذات الشأن".(10) وبغض النظر عن الجواب الذي سيأتيه، فقد حسم سعاده مبدأ العودة: "... بناء على ما وردني من المعلومات من الوطن من وجوب الاستعداد للعودة قريباً، ويُحتمل أن يكون قريباً جداً... بناء على الأخبار والمعلومات والرسائل الرسمية، صار يجب أن أفكر جدياً في العودة السريعة إلى الوطن خصوصاً لأن الفوضى الهائلة هناك تهدد بنتائج وخيمة...".(11)

كانت المحكمة العسكرية الفرنسية في لبنان قد أصدرت بتاريخ 22 آب 1940 سلسلة أحكام على عدد من القياديين القوميين المعتقلين، وتلقى سعاده غيابياً الحكم بالسجن 20 سنة ومنع الإقامة 20 سنة أخرى. ومع أن الجنرال دنتز (الموالي لحكومة فيشي في باريس) أصدر عفواً عاماً عن القوميين عندما اقتربت قوات الحلفاء بقيادة بريطانية من لبنان، إلا أن السلطات الفرنسية الموالية لديغول عادت وزجت القوميين في السجون. لكن معركة "الاستقلال" سنة 1943، التي شارك فيها الحزب بفعالية، أدت إلى إصدار عفو عام بعد مضي سنتين في الاعتقال.(12) ولم تكن تلك الأحكام، حتى وإن كانت ما تزال سارية المفعول، لتقف عائقاً أمام قرار سعاده بالعودة إلى الوطن، ذلك أن العقبة تكمن في مسألة أخرى!

السلطة تكشف نواياها

وهنا برزت مشكلة جواز السفر. فعندما غادر سعاده الوطن سنة 1938، لم يكن لبنان قد "استقل" بعد. وكانت السلطات الفرنسية مسؤولة عن إصدار جوازات السفر للمواطنين اللبنانيين، في حين أن القنصليات الفرنسية في العالم تتولى التجديد أو عدم التجديد للرعايا المغتربين. ويبدو أن سعاده أراد الاعتماد على قيادة الحزب في بيروت للحصول على موافقة السلطات اللبنانية منحه جواز سفر. يقول في رسالة إلى نعمان ضو بتاريخ 29 أيار 1946: "تسلمت خبراً رسمياً من المركز أن وفداً حزبياً قدّم مذكرة إلى الحكومة اللبنانية يسألها فيها إصدار جواز سفر للزعيم ليتنقل حيث يشاء وليعود إلى الوطن، وأتوقع أن أتسلم نتيجة المساعي في مدة قصيرة...".(13) غير أن مركز الحزب لجأ إلى الصمت، فلم يعد سعاده يعرف إلى أين وصلت المساعي. لذلك كتب في 20 حزيران إلى رئيس مكتب عبر الحدود جبران جريج: "لم أعد أتسلم شيئاً من المركز، خصوصاً في ما يتعلق بأمر عودة الزعيم وإصدار جواز سفر له للتنقل بحرية. وقد يكون من جملة أسباب تأخر البت في شأن عودة الزعيم من قبل الحكومة اللبنانية استقالة الوزارة السابقة وتقلقل الحكومات المستمر. ولكني مشتاق جداً لمعرفة نتيجة طلب الحزب من الحكومة في هذا الصدد لأقرر الخطة...". (14)

حلّ شهر آب من دون أن يصدر شيءٌ عن المركز، فضاق سعاده ذرعاً بهذا التلكوء. لذلك كتب بين 4 و9 آب رسائل إلى غسان تويني والأب بولس مسعد ومحمد شمنق في أنحاء متفرقة من العالم، يعالج فيها موضوعات حزبية متنوعة، وينتهز الفرصة ليحث هؤلاء الرفقاء على التواصل مع المركز وتنبيه القيادة إلى أن الاتصالات مقطوعة منذ أشهر.(15) وبعد أن تلقى سعاده في 16 آب رسالة من ثابت يبرر فيها التأخير بأسباب سياسية إلى حد ما، وجّه إليه في 5 أيلول رداً تضمن انتقادات مبطنة. وحمّلت الرسالة مركز الحزب مسؤولية قطع الاتصال به مدة ثلاثة أشهر "ثمينة". وكشف سعاده أنه كان يظنّ للوهلة الأولى بأن الجاسوسية تقف وراء قطع الاتصالات، "ولم يخطر في بالي أن الانقطاع يبقى كل هذه المدة اختياراً".(16) وتبيّن لنا هذه العبارة أن حالة من الشك تجاه القيادة الحزبية أخذت تترسخ لدى سعاده، فبادر إلى فتح قنوات أخرى للحصول على جواز السفر في حال استمر الرفض الحكومي والتلكؤ الحزبي... أو أن يتحالف الطرفان معاً لمنع عودته أو على الأقل تأخيرها إلى ما بعد الانتخابات النيابية.

وتلفت نظرنا في مراسلات سعاده آنذاك عبارات مثل: "ليتنقل حيث يشاء وليعود إلى الوطن"، و"للتنقل بحرية"... وكأنه كان يدرك أن السلطات اللبنانية ستعرقل مساعيه للعودة إلى الوطن، لذلك فهو لا يُمانع في أن "يتنقل" بحرية لزيارة الجاليات السورية في عبر الحدود ريثما تتم معالجة المسألة في بيروت من خلال الاتصالات السياسية. لكنه في هذه الأثناء كان يرسم خططاً بديلة على أكثر من صعيد. ففي رسالة إلى تويني بتاريخ 13 أيلول 1946، حث منفذية أميركا على ترويج إشاعات عن زيارة الزعيم المرتقبة إلى بعض المغتربات، وإيصالها إلى سفارتي لبنان والشام "لأنه يحسن جعل حكومتي لبنان والشام تعتقدان أن عودتي ليست سريعة، وأن منهاج تجولي في الأميركتين وأفريقية قد يستغرق نحو نصف سنة. أما أنا فإني أرسم خطتي مستقلاً عن هذه الإشاعات".(17)

لم يكن يوجد في الأرجنتين آنذاك تمثيل ديبلوماسي لبناني أو شامي، لذلك تولت القنصلية الفرنسية في بوينس أيرس الاهتمام بمعاملات السوريين. ومع أن الحكومة اللبنانية أقرّت فتح سفارة هناك وعيّنت جبران تويني (والد غسان) سفيراً، إلا أنه تأخر في الوصول. فكان على سعاده أن يتجاوز معضلتين: الأولى موافقة القنصلية الفرنسية على تزويده بوثيقة سفر تتيح له زيارة البرازيل أو الولايات المتحدة، لكن ليس الوطن. والثانية الحصول من السفارة اللبنانية في البرازيل أو في الولايات المتحدة على جواز سفر يسمح له بالعودة إلى الوطن. قرر سعاده الاستفسار عن الخيار الأميركي، خصوصاً وأن "صديقه" شارل مالك يمثل لبنان في الأمم المتحدة. كتب رسالة إلى تويني بتاريخ 13 أيلول: "كنت أود فقط أن أعلم هل الدكتور شارل مالك يرغب في فعل ما يستطيعه لأحصل على جواز سفر لبناني، وهل يمكنه تأمين ذلك في حالة عدم رغبة الأستاذ يوسف السودا، سفير لبنان في البرازيل، القيام بشيء من هذا القبيل؟ وهل من الضروري، في هذه الحالة، مروري بأميركانية؟" (18) وبعد يومين كتب سعاده إلى المنفذ العام لمنفذية بوينس أيرس (19) طالباً معلومات عن شروط القنصلية الفرنسية والقنصلية البرازيلية لإصدار جواز سفر بدل جواز سابق وإمكان زيارة البرازيل في طريقه إلى الوطن. كما سأل عن إمكانية الحصول على تأشيرة مرور من القنصلية الأميركية. ونستشف من رسالة أخرى إلى تويني بتاريخ 1 تشرين الثاني 1946 أن "الخيار الأميركي" لم يُجدِ نفعاً، وأن مسألة جواز السفر باتت وقفاً "على إرادة وزير لبنان المفوض في البرازيل (الأستاذ يوسف السودا) الذي يضمر للحركة السورية القومية الاجتماعية مقاومة شديدة".(20) وكان جبرائيل يافث صديق سعاده ورجل الأعمال المقيم في البرازيل، وكذلك وليم بحليس منفذ عام منفذية سان باولو، قد زارا السودا لكن من دون جدوى. وأثناء زيارة السودا إلى بوينس أيرس في حزيران 1946، عُقد اجتماع مع سعاده بحضور يافث، وكانت "نتيجة المقابلة أن السودا أظهر كثيراً مما يضمره من المقاومة".(21)

سعاده يأخذ المبادرة

في آواخر العام 1946، وجد سعاده نفسه أمام خيار وحيد لتأمين جواز سفر وذلك بتجديد وثيقة مرور عن طريق القنصلية الفرنسية في بوينس أيرس، ثم الانتقال إلى البرازيل لمواصلة السعي لدى السفارة اللبنانية في ريو دي جنيرو أو القنصلية اللبنانية في سان باولو. ومع أنه أبلغ تويني في رسالة بتاريخ 1 تشرين الثاني 1946 أن المركز في الوطن أكد له "عدم مقاومة الحكومة اللبنانية واستعداد وزير الخارجية للإجابة على أية برقية بطلب جواز سفر باسم الزعيم"، إلا أنه في قرارة نفسه كان قد حسم خطوته التالية: "وسأبدأ المعاملة الجديدة بنفسي حين انتقالي إلى بوينس أيرس بواسطة قنصلية فرنسة التي لا تزال تجري معاملات السوريين بصورة موقتة. وفي زيارتي السابقة لبوينس أيرس جرت لي مقابلة مع سفير فرنسة، دريسون، وكانت المقابلة مؤنسة".(22) وكان ذلك اللقاء قد تم في 10 حزيران 1946، وقد وعده السفير بتسهيل الأمر لكن بعد الاتصال بالجهات المعنية في بيروت للحصول على موافقتها كما تنص الإجراءات الديبلوماسية.

وقبل أن نتابع المسار الفرنسي ـ البرازيلي الذي لجأ إليه سعاده، نرى من الضروري الإضاءة على تصرفات القيادة الحزبية في بيروت تجاه هذه المسألة. أشرنا أعلاه إلى الملاحظة التي أبداها سعاده في رسالة إلى نعمة ثابت وتتعلق بتأخر قيادة الحزب عن متابعة مسألة عودة الزعيم. وقد أدرك تدريجياً أن الأمر أعمق من مجرد مماطلة أو تلكوء، "فعلى الرغم من أن سعاده وجه رسائل عدة إلى المقر الرئيسي للحزب في بيروت يُعلم المسؤولين الحزبيين عن التأخيرات التي تسبّبها الحكومة اللبنانية على هذا الصعيد، فإنه لم ينجح في إحراز أي تقدم".(23) وترسّخ لدى الزعيم وبعض القياديين الحزبيين انطباع بأن السلطات الحكومية لا تريد عودة سعاده أو على الأقل تأجيلها. يقول جورج عبد المسيح الذي كان عضواً في المجلس الأعلى حينذاك: "مرّ أكثر من عام في محاولة أخذ الأذن من حكومة بيروت لعودة الزعيم. وبدأت التهديدات والإغراءات (...) ومن ضرورات الإبقاء عليها (الرخصة) عدم رجوع سعاده إلى الوطن".(24) غير أنه لا يفصح كثيراً عن هويات المُعرقلين والمتواطئين في الحكومة أو في الحزب.

لم يكن عبد المسيح آنذاك مشاركاً بشكل مباشر بالاتصالات السياسية التي تولاها نعمة ثابت وعبدالله قبرصي. ولذلك فإن ما كتبه الأخير في مذكراته يعطينا صورة أدق وأوضح: "راجعنا حميد فرنجية وهنري فرعون، ثم توجهت أنا ونعمة ثابت وفؤاد أبي عجرم إلى القصر الجمهوري لمقابلة الرئيس بشارة الخوري. كان الجميع في موقف التريث لا الرفض. ولكننا كنا نستشف من بين الكلمات المرنة أن الحكومة ليست متحمسة للعودة بل على العكس ترغب في إرجائها إلى أبعد حد ممكن. لم يكن رياض الصلح مطمئناً لعودة المعلم (...). هنري فرعون ثم حميد فرنجية قالا لنا إن أنطون سعاده هو لبناني، لا يستطيع أحد منعه من الإياب إلى وطنه. ولكنه من الأفضل أن يُرجأ إيابه إلى ظروف أكثر ملائمة".(25) ويبدو أن هذه الصورة لم تكن تُنقل بدقة إلى سعاده، الذي شعر بوجود مماطلة مقصودة لمنعه من العودة... على الأقل ريثما تجري الانتخابات النيابية سنة 1947. ولذلك ما عاد معتمداً على المساعي الحزبية في بيروت، بل ركز على المسار البرازيلي المُتاح له.

ولا بد هنا من الإشارة إلى وجود سابقة لإبعاد سعاده عن الوطن بشكل أو بآخر. ففي سنة 1936، وبينما كان الزعيم رهن الاعتقال، أجرت صحيفة "المساء" المعادية للحزب مقابلة مع عزيز الهاشم نشرتها بتاريخ 6 حزيران 1936. وكانت تلك المقابلة جزءاً من الحملة المنظمة التي تستهدف سعاده والحزب، ويهمنا منها القسم التالي (26): "قال عزيز الهاشم: طلب مني (السيد يوسف الحويك) أن أقول لأنطون سعاده إن بقاءه في سورية ولبنان بعد خروجه من الحبس أصبح غير مفيد، وإنه قد قرّ الرأي على أن يسافر إلى أميركا الجنوبية لينظم المهاجرين السوريين، ويبقى الرئيس الأعلى فخرياً للحزب في البلاد والمهجر، على أن يُخصص له مرتب شهري يكفيه مؤونة العيش برخاء وبحبوحة". وينسب الهاشم إلى سعاده الجواب التالي: "... أنه بعد خروجه من السجن سيتفاهم مع السيد الحويك وبعض الأصدقاء على تعيين خلف له في هذه البلاد، وأنه لا يرى مانعاً من الرجوع إلى أميركا الجنوبية". وعلينا أن نتعامل بحذر مع تصريحات الهاشم الذي خان سعاده والحزب، لكن من الواضح أن فكرة إبعاد الزعيم أو بقائه في الخارج ظلت راسخة في أذهان قيادة المجلس الأعلى المنحرفة.

04-مذكرة البابا الأخيرة :

هل كان يسوع إبن مريم معادياً للسامية ؟

شحادة الغاوي



في 28 تشرين الأول من سنة 1965، أي منذ ستين سنة، أصدر الفاتيكان بياناَ رسمياً يحدد موقف الكنيسة الكاثوليكية من الديانات غير المسيحية، وهذا البيان عرِف بوثيقة "نوسترا إيتاني"، وترجمتها هي: "في أيامنا الحاضرة".
أهمّ ما جاء في الوثيقة المذكورة هو أن الكنيسة لا ترذل أو ترفض ما في الديانات الأخرى من حق ومن قداسة.
ولمّا كان البيان يشمل الإسلام ضمن "الديانات الأخرى" إعتبره الكثيرون إنفتاحاً تاريخياً للمسيحية على ما أتى بعدها بعد أن كانت محتكرة للقداسة وشبه مغلقة إلّا على اليهودية التي أتت قبلها. لكن تلك الوثيقة- البيان ركزت بالأكثر على الديانة اليهودية وشددت على "التراث الروحي المشترك" معها وعلى الجذور المشتركة بينهما مع إبراهيم، واستثنت الإسلام من هذا التراث الروحي المشترك ومن الجذور المشتركة مع إبراهيم. ذلك رغم أن الإسلام يقول بنبوة يسوع وقداسة مريم أمّا اليهودية فلا. كما إن الييان- الوثيقة حصر المسؤولية التاريخية لصلب المسيح يسوع بمرتكبيها وحدهم دون تعميم التهمة على جميع اليهود عبر الأجيال. وهذا ما عًرِف بتبرئة يهود العالم من دم المسيح يسوع.

موضوعنا هنا ليس وثيقة "نوسترا إيتاني" المذكورة آنفاً، ليس صحة أو عدم صحة وجود تراث روحي مشترك بين المسيحية واليهودية، وليس وجود أو عدم وجود جذور للمسيحية مع إبراهيم، وليس جواز أو عدم جواز أن يتولّى البابا بنفسه تبرئة أو عدم تبرئة اليهود من دم المسيح يسوع والنيابة عن الله في أمر الإدانة والتبرئة.
نحن نثمّن ونؤيد إعتراف الكنيسة، ربما لأول مرة في تاريخها، بوجود قيم وحق وقداسة في الديانة الإسلامية التي تعترف بنبوة يسوع وحلول الروح القدس على أمه مريم وتحض المسلمين على الإيمان به ( آمنوا بالذي أًنزِل إلينا والذي أًنزِل من قبلنا... وقولوا إلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون- العنكبوت 46)، لكننا لا نقرّ بوجود تراث روحي مشترك بين اليسوعية واليهودية بل تناقض وإفتراق كبيرين. كما إننا لا نرى جذوراً لليسوعية أو صلة تاريخية مع إبراهيم، فيسوع لم يذكر إطلاقاً في الأناجيل الأربعة جميعها أية صلة له بإبراهيم، وقد ذكر أسم إبراهيم مرة واحدة فقط جواباً على إدعاء اليهود أنهم أولاد إبراهيم حيث عارضهم وقال لهم "إن الله لقادر أن يجعل من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم" (لوقا 3-8). ونحن أيضاً لا نقر بأحقية البابا بالنيابة عن الله بالإدانة أو بالتبرئه، بل نذكر رسائل بولس الرسول التي كًتِبت في النصف الثاني من القرن الأول للمسيحية وهي مليئة "بإدانة اليهود" بصلب المسيح يسوع، ونذكر متى في إنجيله وقوله عن لسان رؤساء اليهود: "إن دمه علينا وعلى أولادنا من بعدنا" (متى 27- 25).
إننا نستطيع أن نتوسع كثيراً ونقدم الكثير من الحجج الأنجيلية التي تؤيد ما نذهب إليه في هذا المجال، لكن موضوعنا الآن ليس هو محاججة البابا وأعلان الفاتيكان الذي صدر منذ ستين سنة، بل إن موضوعنا هو في مكان آخر. إنه في الإعلان الأخير للبابا الحالي الذي صدر سنة 2025 بمناسبة مرور ستين سنة على وثيقة "نوسترا إيتاني".

نشرت وكالات الأنباء النص الكامل لتلك الوثيقة الجديدة، وهو نص طويل يربو على عشرات الصفحات لكن يمكن تلخيصه بجملة من الأفكار كالتالي:.
1 - عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للإلغاء. وان للمسيحية جذوراً في اليهودية.
2 - مواصلة الكنيسة مكافحة معاداة السامية، وتستنكر الكراهية والإضطهاد ومظاهر معاداة السامية الموجهة ضد اليهود في أي وقت ومن أية جهة كانت.
هذه هي المواضيع والأفكار التي تهمنا والتي نريد ماقشتها هنا، وإذ نفعل ذلك فغرضنا ليس جدالاً دينياً بقدر ما هو ذو أهداف وطنية. نحن يهمنا صيانة مصالح شعبنا وأمتنا ووطننا بالدرجة الأولى، ولو لم تكن هذه المصالح مهددة من قِبل بعض الأفكار والتأويلات الدينية التي أساءت فهم الدين الصحيح لما خضنا فيها أبداً، إن قضيتنا هي قضية وطنية قومية إجتماعية وليست قضية دينية.

1 – في العهد والوعد

أولاً: لا يوجد في الدين، أي دين، عهد لله مع الشعب اليهودي أبداً بتاتاً قطعياً. إن الله في المفهوم الديني هو خالق جميع البشر، محب لجميع البشر، رحوم غفور يدعو خلقه للسلام والوئام وينهاه عن العداوة والإعتداء. أمّا أن يكون وارداً في التوراة المتداولة معنا منذ أكثر من الفين من السنين بأن الله اختار له شعباً معيناً واحداً من بين شعوب الأرض وباركه دون غيره ووعده بإعطائه أرض شعب آخر وأمره بإبادة هذا الشعب الآخر وقتله "شيخاً وإمرأة وطفلاً رضيعاً" (صموئيل الأول آية 3 إصحاح 15 واماكن كثيرة غيرها)، فهي خرافة وحشية شيطانية تتناقض تناقضاً صارخاً مع قيم المحبة والرحمة والسلام التي جاء بها الدين.
ليس في الأناجيل الأربعة كلها، لا فكرة ولا كلمة على لسان يسوع تؤيد وتتبنى هذه الخرافة الوحشية الشيطانية، بل بالعكس فإن يسوع قال لرؤساء اليهود الذين إدّعوا هذا الإدعاء وزعموا أن الله اختارهم وفضّلهم وباركهم دون غيرهم، قال لهم: "إن ملكوت الله يًنزع منكم ويًعطى لأمة تصنع ثمره" ( متى إصحاح 21- آية 43). وبديهي أن قول يسوع لا يعني أن الله قد اختارهم فعلاً وفضلهم وباركهم دون غيرهم في الماضي وإنه اليوم يبطل هذا الإختيار وينهيه، بل يعني نزع هذا الوهم من رؤوسهم بالمرّة.
إن تبنّي السلطات الكنسية المسيحية منذ القرن الأول ميلادي للتوراة ككتاب مقدس مع كل خرافاته ورذائله وجرائمه وسرقاته من الأساطير الكنعانية والبابلية لهو خطأ تاريخي فظيع يتناقض تناقضاً كلياً صارخاً مع رسالة يسوع السامية التي ترفض الخرافة والرذيلة والجريمة والسرقة. وإن هذا التبنّي قد لاقى إعتراضات واستنكارات كثيرة من كنائس مسيحية كثيرة تعرّض أحبارها للتشهير بهم وللإضطهاد والنفي والقتل من قِبل السلطات الدينية المهيمنة آنذاك (نسطورس قلعوا له أسنانه ونفوه الى الصحراء الليبية حيث مات هناك من الجوع والعطش). وبلغ استبداد السلطات الكنسية في هذا الأمر الى إحراق وإخفاء الكثير من الأناجيل والروايات التي تكلمت عن سيرة يسوع، وإقتصرت على أناجيل أربعة فقط لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا وكل هذه يتبنّى كتّابها تقديس التوراة وتقديس كل خرافاتها وجرائمها ورذائلها. وهناك شهادات من بطاركة ومطارنة كثيرين بأنه توجد وثائق من أناجيل وكتابات قديمة مخبوءة في خزائن الفاتيكان ممنوع الوصول إليها ونشرها لأنها لا تؤيد تقديس التوراة. للمزيد من الإضاءة على هذه المسألة ننصح بقراءة كتابنا "نشوء المسيحية الصهيونية الصادر عن دار أبعاد سنة 2025.

ثانياً: هذا كان عن الأناجيل ونصوصها، أمّا في التوراة نفسها فلا يوجد شيء أسمه "عهد الله مع الشعب اليهودي" كما يزعم البابا. بل يوجد عهد ووعد مع إبراهيم وأولاده وذريتهم، مع إسحق ويعقوب ونسلهما. والفرق بعيد جداً بين أن يكون مع "الشعب اليهودي" أو مع "ذرية ابراهيم".
الشعب اليهودي يختلف اختلافاً كبيراً جداً مع سلالة إبراهيم. الشعب اليهودي لا يعود لسلالة واحدة لا لإبراهيم ولا لغير إبراهيم. هذه حقيقة علمية لا تقبل الجدل وقد قام عليها أكثر من برهان مادي واحد، ولا ندري كيف لبابا روما أن يقع في هذا الخطأ الفادح ويساوي بين هذين الشيئين المختلفين!
إن التوراة نفسها من خلال رواياتها تقر بأن سلالة إسحق ويعقوب قد اختلطت وتمازجت مع بقية الشعوب خاصة مع الكنعانيين أصحاب الأرض وإن كانت تدين هذا الإختلاط وتعتبره خطيئة! هذا في التاريخ القديم، أمّا في التاريخ الحديث فإن التزاوج والإختلاط بين اليهود والشعوب غير اليهودية، خاصة الأوروبية، قد قام عليه الدليل والبرهان.
كما إن ما يطلق عليه أسم اليهود الاشكناز، وهم يشكلون 80 بالمئة من يهود العالم، فهم من الشعوب القوقازية التي اعتنقت اليهودية في زمن متأخر (يهود الخزر) أي أنهم ليسوا من سلالة إبراهيم.
إن سلالة إبراهيم وإسحق ويعقوب قد إندثرت ولم تعد موجودة، ولا أحد إطلاقاً بتاباً يستطيع الإدعاء أنه من سلالة إبراهيم وأولاده. فالعهد والوعد، حتى لو لم يكن خىرافة، وهو خرافة، لم يعد قائماً أبداً بتاتاً قطعياً لأن الموعود لم يعد موجوداً، فكيف لبابا روما أن يعلن في وثيقة رسمية موجهة لبلايين البشر، أن عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للإلغاء !!
هذه الوقائع والحقائق أصبحت معروفة وواضحة كيف لبابا روما أن يتجاهلها ويتكلم عن عهد الله مع "الشعب اليهودي" !!
إن وثيقة البابا هذه ما هي إلّا إعتداء على شعبنا ووطنا وتأييد الخرافة التوراتية الشيطانية التي تستهدف قتلنا وإبادتنا وسلب وطننا منّأ.
إن مناقشتنا لهذه الوثيقة الفاتيكانية لا تهدف لإنشاء مجادلة ومحاججة دينية بقدر ما هي دفاع مقدّس عن حق شعبنا في الحياة ورد العدوان الآتي إليه بإسم الدين.

ثالثاً: إن مؤرخين وأساتذة يهود كثيرين يقرّون اليوم بأن ذلك الوعد والعهد المزعوم هو خرافة شريرة ما بعدها خرافة ويعلنون إقرارهم هذا للملأ.
البروفسور واللاهوتي الأميركي توماس تومسون هو واحد من "المؤرخين الجدد" الذين هم مجموعة من مؤرخين أكثرهم يهود يرفضون هيمنة التوراة على التاريخ، هذه الهيمنة التي تعتبر أن الروايات التوراتية هي أخبار تاريخية صحيحة لا يقترب منها الشك، أي أنها "تاريخ مقدس" لا يجوز نقده أو إخضاعه لمقاييس النقد التاريخي العلمي المعروف، كما أنه لا يخضع للمعطيات التاريخية والآثارية التي يقدمها علم التاريخ الحديث.
توماس تومسون في كتابه "إختالق الماضي" (ترجمة عبد الوهاب علوب سمة 2000) يفكك خرافة الشعب المختار وأرض الميعاد. إنه يذهب بعيداً في هذا المجال ويقول إن هذه ما هي إلّا قصص وأفكار ليس لها ما يدل على صحتها وتاريخيتها، ويقول إن التاريخ يقوم على الأبحاث والوقائع المادية وهو يتعلق بالطبيعة وليس بما وراء الطبيعة.
أمّا البروفسور اليهودي شلومو ساند الذي يعمل أستاذاً محاضراً في جامعة تل أبيب منذ سنة 2014 فله عدّة كتب أشهرها "إختراع الشعب اليهودي" (ترجمه الى العربية سعيد عياش سنة 2011)، وكتاب "اختراع أرض إسرائيل" (ترجمه أنطوان شلحت وأسعد الزغبي سنة 2014). شلومو ساند هذا ورغم وجوده في دولة إسرائيل وعمله في جامعاتها لا يتردد في نقد وجود الدولة اليهودية والكشف عن أساسها الخرافي الذي بنيت عليه.
وبعد كل هذا التطور العلمي والعقلي أيعقل أن يستمر البابا بإعتماد الخرافات العنصرية ويصر عليها رغم تعارضها مع رسالة يسوع الإنسانية لجميع البشر !!
وهل نحن بحاجة لألف وستمئة سنة أخرى جديدة لكي تستفيق الكنيسة وتنزع عنها الخرافات التوراتية وتحرر المسيحية منها؟ (بقيت الكنيسة حتى سنة 1642 تعتقد بأن الشمس تدور حول الأرض لأن التوراة تقول أن الله أوقف الشمس عن الدوران لكي يطيل النهار ويعطي شاوول وقتاً إضافياً للقضاء على أعدائه الكنعانيين، قبل أن تقر بحقيقة مركزية الشمس التي أعلنها كوبرنيكوس وأيده فيها غاليليه سنة 1610، وأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. لكن الكنيسة كانت قد حاكمت غاليليه واضطهدته وظلمته واتهمته بالهرطقة وسجنته من سنة 1633 حتى وفاته سنة 1642.)

رابعاً: ليس للبابا أو غيره أن ينوب عن الله ويجعل من نفسه وصيّاً عليه ويقول أن عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للإلغاء. فكم بالحري عندما يعلن الله بنفسه لليهود على لسان يسوع إن "ملكوت الله يًنزَع منكم" (متى أية 43 إصحاح 21) فهل للبابا رأي آخر عكس ما يعلنه الله؟ وعلى ماذا يعتمد المؤمنون، أعلى الله أم على رأي البابا؟

وبابا روما لا يكتفي بتقرير أن عهد الله للشعب اليهودي غير قابل للإلغاء، بل يركز أيضاً على أن "للمسيحية واليهودية جذور روحية مشتركة" ! لكنه لا يذكر شيئاً عن هذه القيم المشتركة المزعومة. فهل قيم العدالة والمحبة ونفي العداوة والسلام لجميع البشر والشعوب هي مشتركة مع أوامر يهوه "لشعبه الخاص" بقتل الأطفال والنساء والشيوخ وإبادة الناس وتحريم الحياة للبشر والحيوانات؟!
إن مضمون التوراة لا يتفق أبداً مع الحقائق التاريخية والعلمية ومع القيم الأخلاقية الإنسانية، فكيف للمسيحية اليسوعية السامية أن نصبغها بدمغة القتل والرذيلة والخرافة التوراتية وتسمي ذلك "قيم مشتركة"!!
بتاريخ 4-9-1944، أي منذ 82 سنة كتب سعادة مقالة بعنوان "رسالة البابا الأخيرة". تلك الرسالة يوصي البابا فيها المسيحيين بقراءة التوراة بتقديس، أي بقبول كل ما جاء فيها من العداوة وأوامر القتل والإبادة والتحريم لشعبنا "شيخاً وامرأة وطفلاً رضيعاً". سعاده إعتبر تلك الرسالة أنها تحضّ على قتلنا وإبادتنا وسلب وطننا منّا، وانتقدها بشدة وانتقد استفحال أمر الصهيونية ونفوذ اليهود في الفاتيكان. لكن يبدو اليوم أن الفاتيكان لم يعد فقط واقعاً تحت نفوذ الصهيونيين، بل صار ناطقاً يإسمهم ومروّجاً للخرافة والجريمة والرذيلة ومقدّساً لها !!

2 – في معاداة السامية

تعلن الوثيقة الفاتيكانية ا لجديدة مواصلة الكنيسة مكافحة معاداة السامية، وتستنكر الكراهية والإضطهاد ومظاهر معاداة السامية الموجهة ضد اليهود في أي وقت ومن أية جهة كانت.
إنه من المثير للعجب كيف أن بابا روما يستعمل مصطلح "معاداة السامية"، وهو مصطلح سياسي غير ديني، ويجعله من واجبات الكنيسة الدينية !

أولاً: في أصل تسمية "الساميين"
لقد شهد تاريخ البشرية القديم إبداعات وإضاءات لشعوب حضارية راقية إصطلح علماء التاريخ على تسميتهم "ساميين"، وليس لدينا أية وثيقة أو أثر يدل عن أصل هذه التسمية وسببها. لكن سعاده يرجح أن هذه التسمية أصلها شاميون نسبة لبلاد الشام وليس ساميون (راجع الأعمال الكاملة ج 8 ص 292). وهذا يقترب كثيراً من إجماع العلماء التاريخيين بأن موطن الساميين الأصلي هي المنطقة الواقعة بين الجزيرة العربية مروراً بسورية حتى الأناضول.
من هذه الشعوب برز تاريخياً شخصية فاضلة إسمها إبراهيم الخليل، في وقت كان العبرانيون (سميوا يهوداً في عهد لاحق) قبائل غير ثقافية ضاربة في البوادي والصحاري وتفتقر الى قانون وتشريعات تنظم علاقات أفرادها.
أراد العبرانيون أن يتمثلوا بما حولهم من الشعوب الثقافية وينتسبوا الى ما هو جيد ومشهور بتاريخه الغني ومآثره الحميدة، فنسبوا أنفسهم مرّة الى الساميين عبر إختراع قصة نوح الخرافية وأولاده سام وحام ويافت، ومرة الى إبراهيم الذي لا بد أنه كان شخصية عظيمة قبل أن يشوهوا هذه الشخصية في رواياتهم التوراتية ويجعلوه متسكعاً يبيع زوجته لقاء المال ظناً منهم أن ذلك هو قمة الذكاء والدهاء.
والجدير بالذكر هنا أن المسافة الزمنية بين سام إبن نوح المزعوم وإبراهيم هي آلاف مؤلفة من السنين ولا يمكن بأي حال من الأحوال تقرير إذا ما كان إبراهيم ينتسب الى سلالة سام أم لا.
هكذا كان دأب القبائل البدائية غير الثقافية، كانوا ينسبون أنفسهم وأصلهم الى شخصية وهمية يخترعونها، فنسبت القبائل المتبدية من العرب أصلها الى شخصية واحدة وهمية هي "يعرب"، ونسب العبرانيون أصلهم الى شخصية واحدة وهمية هي سام بن نوح، وكل هذه الإنتسابات هي وهمية ليس لها أثر في علم التاريخ الصحيح.

ثانياً: في أصل مصطلح "معاداة السامية"
يروي كتّاب التوراة أن نوح سكر وتعرّى وأن إبنه حام رأى عورة أبيه المخمور، وأن سام أحضر رداءً وستر به عورة أبيه. عندما صحى نوح من سكره وعرف بما حلّ به لعن إبنه حام وذريته وبارك إبنه سام وذريته. ولا شك في أن هذه الرواية هي ساذجة وخرافية، فما ذنب حام إذا ما رأى عورة أبيه المخمور والمتعرّي، الذنب هو ذنب الإبن الذي رأي أم ذنب الأب الذي سكر وتعرّى؟ وما هو ذنب ذريته من بعده، وما فضل ذرية سام في الأمر ؟!
هذه الرواية الخرافية كانت كافية لليهود أن يعتبروا أنفسهم من سلالة سام المباركة، وكل ما عداهم من البشر من سلالة حام الملعونة، ومنهم الكنعانيين (كنعان هو الإبن البكر لحام!)، وصار اليهود أبناء سام المبارك لهم الحق بقتل وإبادة الكنعانيين أبناء حام الملعون!
عاش اليهود على هذه الخرافة التوراتية قروناً طويلة الى أن تكاثروا في أوروبا في القرون الوسطى وبقوا منغلقين على أنفسهم لا يختلطون ولا يتفاعلون مع الشعوب التي هم في وسطها، فكيف يختلط المباركون مع الملعونين؟! وهذا ما أثار نقمة الأوروبيين وتولدت لديهم نزعة إزدراء اليهود وذمّهم بسبب عنصريتهم وتعاليهم وعدم إختلاطهم وتفاعلهم مع غيرهم. وتطور هذا الإزدراء الى كره وإضطهاد استمر حتى عصر النهضة الأوروبية حيث برزت أفكار المساواة والتسامح والإنفتاح وصار الأوروبيون يشعرون بالذنب بسبب إضطهادهم لليهود وكرههم لهم. وهنا بالضبط نشأ في أوروبا مصطلح "معاداة السامية" تلطيفاً لمصطلح "كره اليهود"، فاليهود كانوا يًلَقبون ساميين، وصارت معاداة السامية عيباً وفرية مدانة ومرفوضة رغم أن اليهود ليسوا ساميين بالمعنى الحقيقي غير الخرافي لكلمة "ساميين"، ولا الأوروبيون مسؤولون عن كره اليهود (الساميين) بل إن اليهود أنفسهم هم تسببوا بكره الآخرين لهم من جراء تعاليهم وعنصريتهم وعدم إختلاطهم وعدم تفاعهلهم مع من حولهم وبسبب عقيدتهم الخرافية أنهم شعب الله المختار المبارك وأن كل ما عداهم هو ملعون وغير مختار.

ثالثاً: وما علاقة الكنيسة
صار واضحاً كيف نشأ مصطلح "السامية" ومصطلح "معاداة السامية"، فهل الكنيسة هي مسؤولة عن "كره اليهود" أي "معاداة السامية" ؟
وإذا كانت الكنيسة هي مسؤولة عن نبذ الكره والعداوة، وهي مسؤولية أكيدة وواجبة في كل وقت وفي أي مكان، فلماذا لا تتصدى الكنيسة للكره الموجه من اليهود الى غيرهم من الشعوب؟؟
لماذا لا تتصدى الكنيسة للخرافة التوراتية الشريرة الشيطانية التي تحلل لليهود قتل وإبادة وتحريم أهل فلسطين وكل سورية ولا تفضح هذا الشر الفظيع الموجود في التوراة؟
لماذا لا يستنكر بابا روما المجازر الفظيعة المروعة التي يرتكبها اليهود الصهيونيين بحق السوريين من سكان فلسطين ولبنان والشام ؟
من يتعرض اليوم للقتل والإبادة والتحريم؟ اليهود أم أهل فلسطين ولبنان والشام ؟ وعلى من ينفطر فلب البابا ويستنكر الكراهية والظلم والقتل والإبادة ؟ أعلى المجرم أم على الضحية ؟
يظهر أن بابا روما هو يهودي توراتي يحلل لليهود قتل وإبادة الآخرين أو يسكت عن هذا القتل وهذه الإبادة.
أوليس هذا بسبب الخطأ التاريخي الكبير والفظيع الذي ارتكبته السلطات الروحية المسيحية منذ القرن الأول الميلادي عندما اعتبرت التوراة كتاباً مقدساً يجب على المؤمنين المسيحيين الإيمان به وبخرافاته ورذائله وجرائمه ؟
إنها المسيحية الصهيونية بأوضح صورها وأقبحها !!

رابعاً: هل كان يسوع معادياً للسامية ؟!
هل كان يسوع يكره ؟ هل كان يسوع معادياً للسامية عندما قال لرؤساء اليهود أنهم أبناء الافاعي أولاد الحيّات (متى آية33 إصحاح23) وأنهم قتلة الأنبياء والرسل (متى 29- 23 ولوقا 47- 11)
وهل كان يسوع معادياً للسامية عندما قال لليهود "إن جميع الذين أتوا قبلي هم سرّاق ولصوص" (يوحنا 10-8).
هل كان يسوع معادياً للسامية عندما قال لرؤساء اليهود: "أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذلك كان قتّالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأن ليس فيه حق، متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم بما له لأنه كذاب أبو الكذاب" (يوحنا 8-45).
وإذا لم يكن يسوع "معادياً للسامية" رغم وصفه لرؤساء اليهود بالسرّاق والكذبة واللصوص والقتلة، فلماذا نكون نحن معادين للسامية عندما ننتقد عقيدة وسياسة رؤساء اليهود الأمرة بالقتل والإبادة وإحتكار الله والتعالي على البشر؟!
وهل وظيفة البابا هي مكافحة القتل والإبادة أم مكافحة إنتقاد القتل والإبادة وإحتكار الله والتعالي على البشر "الملعونين" لصالح المختارين المباركين من خلق الله.
ألا يرى البابا عداوة يجب مكافحتها إلّا تلك التي كانت موجهة الى اليهود في أوروبا في القرون الوسطى ؟ وماذا عن العداوة اليهودية التوراتية الموجهة الى جميع البشر الملعونين الحاميين غير الساميين ؟؟ هل "معاداة السامية" هي القضية الدينية المسيحية الوحيدة الواجب مكافحتها؟ وماذا عن معاداة الحاميّة التي تأمر بها التوراة؟ هل هي مقدسة ؟

هذا هو اليهودي الإسرائيلي "إسرائيل شاحاك" لا يكتفي بإنتقاد رؤساء اليهود فقط بل يسمّي المشكلة بإسمها الحقيقي دون خوف من تهمة "معاداة السامية" ودون تردد ودون تحفظ ويخاطب أبناء ملّته اليهود ويتكلم على "الديانة اليهودية والإنعزالية والشوفينية اليهودية" ويطالب اليهود بالتحرر من "العنصرية اليهودية والأثر الماضي للديانة اليهودية" (من كتابه "التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية"، ص 111، ترجمة صالح علي سوداح 1995، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت).
هذه المشكلة يتردد المفكرون والكتّب والسياسيون وأهل الرأي والمثقفون من أن يتناولونها ويصوبوا عليها بحجة أنه لا يجوز تناول عقائد الناس الدينية بالنقد، وأن التمدن يقتضي إحترام إعتقادات الناس الدينية والماورائية وتحييدها عن أمور السياسة والإقتصاد والإجتماع والتاريخ. لكن هؤلاء يجب أن يدركوا أن العقيدة الدينية اليهودية هي المشكلة وهي التي تتناول أمور السياسة والإقتصاد والتاريخ وتجعل اليهود يتعاطون بها من منظار ديني خاص "مقدس". إن تجاهل المشكلة لا يحلّ المشكلة، والإنسان الواعي العاقل يجب أن يًخضِع كل شيء للعقل دون تحفظ ودون خوف لا من تهمة معاداة السامية ولا من غيرها.
إن تهمة "معاداة السامية" صارت أضحوكة وباتت سلاحاً صدئأً مكسوراً بيد اليهود الصهيونيين، ونحن لا نريد للبابا أن يستعمل هذا السلاح المكسور ولا نريده أن يجعل من نفسه آلة بيد "قاتلي الأنبياء والرسل أبناء الافاعي أولاد الحيّات".

هامش :
لمطالعة مقالة الزعيم:رسالة البابا الأخيرة ..البابا بيوس الثاني عشر في دعوته الى "تقديس" التوراة..المنشورة في الزوبعة..العدد 80 تاريخ

4.9.1944 في الجزء الرابع من الأعمال الكاملة.


   05- المثالية الأولى : همّ سعادة الأ ول

د. جهاد نصري العقل

    بداية في التعريف : المثالية تعني السعي إلى الكمال والشيء الأفضل والأجمل والتمسك بمبادئ أو صفات يُنظر إليها على أنّها نموذج كامل . والشخص المثالي هو الذي يسعى إلى أن يكون على أفضل صورة من الأخلاق والسلوك . وبالمعنى الفلسفي هو مذهب يُعطي أهمية كبيرة للفكر والروح والعقل في تفسير الواقع .

    هذه المثالية منحها سعادة المرتبة الأولى، في رسالته إلى السوريين القوميين الاجتماعيين،  إن كان من حيث الناحية الفلسفية العقلية والفكرية والروحية، وإن كان من جهة الهدف من معناها وهو الجهاد والصراع من أجل بلوغ الغاية العظمى التي هي الكمال والأفضل والأجمل في الحياة ، وذلك من خلال تحقيق هذه القيم عن طريق التمسك بصحة العقيدة القومية الاجتماعية، التي تتمظهر عملا وفعلا وممارسة، عند الأفراد والمؤسسات على أنواعها، بأفضل صورة من الاخلاق والسلوك .

     يُعالج سعادة في هذه المقالة التعليمية التوجهية، التي وقعها باسم "هاني بعل" الحالة المتردية التي نخرت في جسم الحزب نتيجة الاتجاه الانحرافي الذي تسرّب إلى صفوف القوميين، أثناء غيابه القسري في أميركا،هذا الانحراف الذي لم يقتصر على طلب المظاهر والانغماس في أمراض الفردية المدمرة، بل تعداه إلى نشؤ نفسية التسوية بين القضية الكليّة والمآرب الفردية، إلا أنّه تدارك هذا الحكم، وحصر ذلك "في عدد غير قليل من الذين صاروا في الطبقة الظاهرية من الحركة القومية الاجتماعية "، أي أنّه لم يشمل بهذا الرأي مجموع القوميين الاجتماعيين، بل اقتصر الأمر على فئة قليلة متمركزة في مصادر القرار الحزبي .

     هذا في توصيف الواقع الحزبي المتردي، أمّا في المعالجة، فقد جعل سعادة همّه الأول، مع التشديد على هذه العبارة :"همّه الأول" بعد عودته،، في الثاني من آذار 1947 ، ليس على تغيير الاتجاه الانحرافي، فحسب، بل  في اجراء عملية قيصرية، تناولت استئصال مفاسد هذا الانحراف والقضاء على أسبابه  والمسؤولين عنه .

     وفي التنفيذ، فقد كان سعادة حاسما حازما، إذ أقدم على عملية تنظيف داخلية متوازية تناولت؛ من جهة تطهير الدوائر الحزبية العليا من المصابين بأمراض التهدم والتراخي والتسوية والانانية، ومن جهة أخرى تطهير الصف القومي الاجتماعي من العقائد الفاسدة التي تسرّبت إليه بواسطة الأنانيين الذين أهملوا العقيدة وعملوا لغاياتهم الخصوصية التي جعلوا من الحزب ونظامه مطيّة لهم .

     لم يكتفِ سعادة بتوصيف الواقع الذي وصلت إليه الحالة الانحرافية من طغيان المآرب الخصوصية على الغاية العظمى للقضية القومية المقدسة، وبروز محاولات التسوية بين نظام الحزب والغايات المسيئة لقضيته للوصول إلى الغايات الخصوصية، لم يكتفِ سعادة بذلك، بل أورد العديد من الأمثلة، ومنها :

أولا : على الصعيد الانتخابات في الكيانات السورية، حيث انزلق العديد من المرشحين القوميين إلى المساومة على القضية القومية للوصول إلى غاياتهم الفردية، ولكن باء معظمهم بالفشل على الصعيدين  أولا الحزبي الذي نبذهم، والثاني الذي تحالفوا معه فخذلهم ولم يثق بهم .

ثانيا : على صعيد المسؤوليات الادارية : فقد أدّت حالة الانحراف الشاذة  إلى انحدار وانحطاط في المسؤوليات الادارية، حيث تفشّت عقلية الوظائف الحكومية في نفسية المسؤولين، وطغى البحث وتركّز في هذه الدوائر، لاسيما العليا منها، ،  في قيمة الرواتب والمعاشات وصرفها في أوقاتها، وإثارة البلبلة إذا تأخرت عن مواقيت صرفها، كما حصل في حادثتي فايزصايغ ونعمة ثابت. وسرعان ما تسرّب هذا الشذوذ والتراخي في جسم القيادة إلى الصف الحزبي :" وبلغت الحالة حدّ تعرّض الغاية القومية الاجتماعية الكبرى لخطر عظيم" .

ثالثا : زيارة حضرة الزعيم إلى منفذية دمشق واجتماعه بالمسؤولين الاداريين في المنفذية والمديريات : حيث أبدى في هذا اللقاء استغرابه لطرح أحد الرفقاء الذي قال: "إنّ عقلية دمشق تحتاج إلى غير أساليب العمل البنائي الهادئ" ، متجاهلا دعوة حضرة الزعيم ووصيته إلى الحاضرين بوجوب العودة :" إلى العمل البنائي الهادئ". موضحا إنّ مثل "هذه الاقتناعات الشارعية لا يصلح قاعدة لتخطيط تقني نفسي وسياسي، لأنّه لا يستند إلا إلى المظاهر الرنانة الشعبوية ولا يأخذ الغاية العظمى بعين الاعتبار،  منبها  إلى أنّ التحرك غير العقدي في الشوارع يفقد قوته وهيبته  وغايته وفائدته .

    في النتيجة : أدّت الحالة الانحرافية  المذكورة بتفاصيلها إلى الأمور الآتية :

أ ـ ضعف اليقين العقدي وروحية الصراع وما ترتّب عليهما من تداعيات سلبية خصوصا على اهمال الانتماءات الجديدة .

ب- انحطاط معنى الطاعة  وقيمة المسؤولية النظامية والواجب  في صفوف القوميين.

ج –هبوط المعنويات هبوطا مخيفا  والاستسلام إلى العبث والفوضى ..

د ـ وغدت وحدة العمل معدومة بالكليّة .

 من هنا، ومن كلّ ما تقدّم، "جعل الزعيم كلّ همّه الأول " تغيير هذه الحالة تغييرا جذريا باستئصال المفاسد والقضاء على أسبابها ومسببيها، أو على حدّ قوله : "على عواملها وعمالها"  . وكالطبيب الجرّاح انقض بمبضعه على هذا الجسم المريض :

ا ـ فطهّر الدوائر الحزبية العليا من المصابين بأمراض التهدم والتراخي والتسوية والانانية .

ب ـ وأعاد قيمة المسؤولية إلى حقيقتها الفعلية .

ج _ وطهّر المجتمع القومي الاجتماعي من العقائد الفاسدة التي تسرّبت إليه بواسطة الانانيين الذين جعلوا الحزب ونظامه مطيّة لمنافعهم الخاصة .

     والسؤال بعد كلّ ما تقدّم هل نجح سعادة في ثورته على الانحراف وتداعياته، وهل تمكّن  من الانتصار على تنين المفاسد الذي حاول تدمير مبادئ القضية القومية الاجتماعية  وقيمها ونظامها ؟ . الجواب : نعم، حيث "نرى الحزب السوري القومي الاجتماعي يعود اليوم طريقه الصعدى نحو قمّة النصر"، هذا ما أعلنه سعادة بعد قضائه على الحالة الانحرافية، وتطهير الحزب من الفاسدين والمفسدين .

    لم "يرتجل "سعادة عملية التطهير الانحرافي على عجل بل مهّد لها  بمرحلة طويلة  امتدت (سنة وثلاثة أشهر ) ابتداء من يوم عودته إلى الوطن في 2آذار 1947 حتى تاريخ هذه المقالة ـ التأسيسية في 1 حزيران 1948 بسلسلة من الاجراءات، أبرزها:

 أ ـ  ما ورد في خطاب العودة في 2 آذار1947، وأبرز ما جاء فيه  موقفه من "الكيان اللبناني" والمسألة الفلسطينية والعروبة. ودعوة القوميين الاجتماعيين إلى العودة إلى "ساحة الجهاد" .

ب ـ الجولات على بعض  المناطق في الكيانين اللبناني والشامي حيث التقى بالقوميين الاجتماعيين وأعاد الروحية القومية الاجتماعية الموحدة إلى صفوفهم .

ج ـ الموقف من تزويرالانتخابات النيابية 25 أيار 1947، التي أدّت إلى محاربة مرشحي الحزب واسقاطهم . والموقف التاريخي من "مجزرة الصحافة" التي ارتكبتها "عصابات السلطة"،على أثر إقدامها على تعطيل عشر صحف بالجملة وسجنت عددا من أصحابها لأنّها فضحت عملية تزوير هذه الانتخابات .

د ـ احياء الندوة الثقافية مطلع العام 1948 للإسراع بدرس تعاليم النهضة القومية الاجتماعية والقضايا التي تتناولها ، التي أهمل تدريسها أثناء غيابه، ممّا عرض الحركة للميعان والتفسخ والتفكك،إضافة إلى تدريس تاريخ الحزب: " نشأته وسيرته، وكيف تغلّب على الصعوبات، وما هي القضايا الأولى التي جابهها، وكيف عالجها، وكيف أنشأ قضية عظيمة، وجعلها تنتشر وتمتدّ وتسيطر على الرغم من كلّ الصعوبات والعراقيل التي واجهتها ".

    وختم سعادة مقالته بالتذكير بما ورد "في ختام خطابه التاريخي يوم عودته إلى الوطن"، الذي دعا فيه القوميين الاجتماعيين إلى العودة إلى الصراع المعقدن الذي يقتضي العودة إلى المثالية الأولى، التي عنى بها سعادة، بكلّ وضوح، هي العودة إلى مثالية الايمان بالقضية القومية الاجتماعية المقدسة، وبالقيادة، وإلى مثالية العمل البنائي، العقدي، والنظامي والصراع البطولي .

ونوضح أنّ "العودة إلى القيادة"، التي عنى بها سعادة، ودعا إليها،  ليست أيّة قيادة تتربع على  قمّة المسؤولية، بل القيادة الحقيقية الصالحة،  القيادة التي عبّر عنها بقوله: "هذا هو دستورنا : قضية واضحة، قيادة صالحة". مشددا على الثوابت الاتية :

·      بأنّه لا يريد في الحزب السوري القومي الاجتماعي كثرة عدد متضخم يمكن أن يفيد الذين أصبحوا يميلون إلى التسوية، ويغريهم ضعف الايمان، ورهن البناء النفسي العقدي بالمساومات والمضاربات .

·       وعلى أنّ عملية تطهير الحزب من نفسية المساومات والمضاربات والتسوية ستستمر، وسيقضى على الانغماس السياسي الخصوصي قضاء مبرما فلا يبقى في الحزب غير جنود متمنطقين بفضائل الجندية ومثل الحزب العليا :الحرية والواجب والنظام والقوة  : "جنود عقيدة ونظام وإيمان بالنصر، جنود  في كلّ عمل وكل اختصاص، جنود في الادارة وجنود في الاذاعة وجنود في الثقافة وجنود في السياسة !"

    منهيا هذه المقالة التأسيسية بإعلانه الواضح، وإيمانه العظيم : "إنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي هو حزب بطولة وصراع وانتصار" .



الجمال في فكر سعاده: فلسفة القيمة ونهضة الفنون

تمهيد: الجمال خارج برجه العاجي

سعادة عبد الرحيم


في تاريخ الفكر العربي الحديث، قلّ أن نجد مفكراً تعامل مع الجمال بجدية سعاده. لم يكن سعاده فيلسوفاً أكاديمياً يكتب في علم الجمال، ولا ناقداً فنياً بالمعنى المهني. كان زعيماً نهضوياً يرى في الجمال قضية وجودية بمعنى الكلمة. سؤاله لم يكن «ما هو الجمال؟» بل «كيف نصنع جمالاً ينهض بالأمة؟». وهذا الانزياح في السؤال هو مفتاح فهم كل موقفه الجمالي.

لهذا، لا يمكن قراءة موقفه من الجمال بمعزل عن مشروعه النهضوي الشامل. الجمال عنده ليس زينة للحياة، بل أداة تغييرها. وليس ترفاً فردياً، بل قيمة اجتماعية. وليس محاكاة للواقع، بل تجاوز له نحو ما ينبغي أن يكون.

---

أولاً: الأساس الفلسفي — الجمال كقيمة اجتماعية

١. الجمال قيمة مجتمعية

في مقال «الحق والحرية»، يقرر سعاده أن قيمة الحق، والحقيقة، والخير، والجمال ليست مادية، بل هي قيم إنسانية نفسية ومجتمعية [1]. هذا النص هو المفتاح. الجمال هنا ليس صفة تُطلق على الأشياء أو الأعمال الفنية بمعزل عن سياقها الاجتماعي، بل هو قيمة مجتمعية بالمعنى الدقيق: معياره اجتماعي، ووظيفته اجتماعية، ومرجعيته حياة الأمة.

ويؤكد هذا المعنى نص آخر: إن قيمة الفرد اجتماعياً تتعين بمقدار تمثيله لقيمة الإنسان العام، لا الخاص، أي بمقدار أخذه بقيم فكرية تعبر عن جمال مطالب المجتمع وسموها [2]. هنا يظهر الجمال مربوطاً مباشرة بمطالب المجتمع وسموها. أي أن الجمال ليس ذوقاً فردياً خاصاً، بل هو مطالب المجتمع حين تصل إلى مرتبة السموّ.

٢. شرط المجتمعية: لا جمال بمعزل عن المجتمع

وفي المحاضرة الأولى من «المحاضرات العشر»: إذا وُجدت هذه القيم من غير أن تمتّ إلى مجتمعنا بصلة، ومن غير أن تعبّر عن حقيقته أو جماله أو خيره، فلا خير ولا حق ولا جمال [3].

هذا النص يثبت أن الجمال عنده مشروط بالانتماء إلى المجتمع. إذا انفصل الجمال عن حقيقة المجتمع وجماله وخيره، فإنه يفقد قيمته.

٣. الجمال ومشروع النهضة

وفي المحاضرة الثانية من «المحاضرات العشر»: النهضة هي الخروج من التفسخ والتضارب والشك إلى الوضوح والجلاء والثقة واليقين والإيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة. هذا هو معنى النهضة لنا [4].

ويضيف في المحاضرة نفسها: إن النهضة القومية الاجتماعية وروحها قد وضعت على أكتافكم عبئاً كبيراً عظيماً لأنها تعرف أن أكتافكم أكتاف جبابرة وسواعدكم سواعد أبطال [5].

٤. استقلال النظر في قيم الحياة

وفي المحاضرة الثانية أيضاً: أن نبقي الفكر السوري حراً مستقلاً، لأنه متى خضع الفكر القومي لفكر أجنبي فماذا يبقى من الاستقلال؟ وإذا خضع النظر في قيم الحياة إلى نظر أجنبي فماذا يبقى من الاستقلال؟ [6].

٥. المبادئ في خدمة الشعوب

وفي المحاضرة الثانية من «المحاضرات العشر»: مبدأ أن المبادئ توجد للشعوب، لا الشعوب للمبادئ — مبدأ أن كل مبدأ لا يخدم سيادة الشعب على نفسه ووطنه هو مبدأ فاسد — مبدأ أن كل مبدأ صحيح يجب أن يكون لخدمة حياة الأمة [7].

٦. القيم المطلقة مشروطة برؤيتنا

وفي الرسالة السادسة إلى غسان تويني (4 آب 1946): كل حق وكل خير وكل جمال لكي يصح أن يكون قيماً حقيقية مطلقة عندنا يجب أن يخضع لشروط رؤيتنا إياها كذلك أو اشتراكنا في رؤيتها كذلك [8].

٧. الفنون في النفسية السورية

وفي الرسالة الخامسة إلى غسان تويني (9 تموز 1946): إننا نستمد مثلنا العليا من نفسيتنا ونعلن أن في النفسية السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم [9].

٨. الحق ليس عددياً بل اجتماعياً

وفي «تعاليم وشروح في العقيدة: المجموع والمجتمع»: إن مسألة الحق ليست مسألة عددية، بل مسألة إنسانية اجتماعية. الحق قد يبتدئ بفرد وقد يبتدئ بعدد قليل ضئيل وقد يبتدئ بعدد كثير. ولكن شرط الحق في الإنسانية، ليكون حقاً، أن لا يعلن نفسه ساعة ويختفي، وأن لا يختزنه العدد الفردي أو المجموعي في نطاقه الخاص فيفنى فيه — أن لا يكون حقاً عددياً، بل حقاً اجتماعياً لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به العدد، بل يمتد في المجتمع بلا حدود — في المتحد نفسه في تعاقب أجياله [10].

---

ثانياً: معيار الحكم — المضمون قبل الشكل

١. نص لجنة التمثال: المعنى يحدد قيمة الشكل

سعاده لم يعترض على إقامة نصب تذكاري في البرازيل بحد ذاته، بل اعترض على النص الذي سيوضع على قاعدته: إننا لم نرَ لجنة فرنسية تقول لو أتينا بقبر نابليون ودانتون... فما قولك بلجنة سورية تقول لو اغتصبنا قبر صلاح الدين من دمشق واغتصبنا قبر المسيح من القدس ووقفناهما على البرازيل لما وفينا ما علينا لها من الإكرام؟ [11].

هذا النص يكشف معيار سعاده: الشكل — أي النصب — مقبول كوسيلة تعبير اجتماعية مشروعة، لكن قيمته تأتي من المعنى الذي يحمله. المعنى هو ما يجعل الشكل يأخذ قيمته.

٢. نقد «عبقر»: الشكل الجميل بلا نظرة فلسفية

في مقال «عبقر» (المجلة، 1933؛ الأعمال الكاملة، المجلد الأول)، يعترف سعاده بما أنجزه شفيق معلوف: أما في الأدب السوري فقد أعطانا شفيق معلوف صورة خيالية فنية راقية وخرافة فلسفية وشاها بشعر جميل حي [12].

لكنه في «طريق الفكر السوري» (الأعمال الكاملة، المجلد الأول) يرصد: الخلو من النظرة الفلسفية إلى الحياة والكون والفن... وأعتقد أن الخلو من هذه النظرة هو السبب الذي حمل الشاعر على دفن شاعرته في تتبع الخيالات والخرافات العربية الخالية من المغزى الفلسفي [13].

ولفهم التناقض الشكلي بين «خرافة فلسفية» و«الخلو من النظرة الفلسفية» يكمن في التمييز بين القالب والمضمون: معلوف اتخذ قالب الخرافة الفلسفية، لكنه لم يملأه برؤية فلسفية. فالخرافة فلسفية في بنيتها، خالية من الفلسفة في مضمونها.

ويؤكد سعاده هذا الحكم: إن في عبقر ابتكاراً جميلاً في الشكل أو الأسلوب، ولكن هل حملت إلى الأنفس اتجاهاً جديداً، أعلى مطلباً وأرقى غاية وأسمى نهاية؟ كلا [14].

وهكذا تبقى «عبقر» شكلاً جميلاً بلا نظرة جديدة إلى الحياة، ودون مستوى الأساطير السورية الأصلية التي تحمل مغزىً فلسفياً في الوجود الإنساني.

---

ثالثاً: تطبيقاته — الأدب والفنون بكل مواضيعهما

١. الموسيقى: بين الفن الرفيع والطرب المُخرِّب

في مقال «فن الغناء»: الغناء كما يفهمه عامة السوريين شيء ليس بذي اعتبار كبير... نتيجته في كل حال ليست نتيجة حسنة، بل هي إذا أُعمل النظر نتيجة سيئة جداً، كثيراً ما تؤدي إلى فساد الأخلاق وزيادة الجهل [15].

وفي المقابل: الفروق الكثيرة بين معنى الغناء عندنا وبين معنى الغناء الفني الذي يشغل قسماً كبيراً في حياة الشعوب والأمم الراقية [16].

والفن الرفيع عنده هو الذي يعبّر عن: شعور سامٍ وعواطف متأثرة وتأملات روحية ترفع الأنفس إلى عالم الأثير الدقيق [17].

٢. الرقص: الفن الذي يفسد المجتمع

في مقال «عيوب الرقص والمراقص»: الرقص الحالي وباء اجتماعي... نعتقد أن الرقص العامل الأساسي في إبلاغ الطلاق في الولايات المتحدة الحد الذي بلغه الآن [18].

المعيار هنا هو الأثر الاجتماعي: ما يفسد المجتمع فهو قبيح، مهما كان شكله جذاباً.

٣. الرسم: معرض التلوين الصوري

في مقال «في عالم الفن: معرض التلوين الصوري»: الفنون على أنواعها، ومن ضمنها الأدب، هي عنوان ارتقاء نفسيات الأمم [19].

٤. الأناشيد السورية: الموسيقى والثروة الشعبية

في مقال «تمهيد وأناشيد سورية»: شيء جديد جميل ينبّهنا إلى مقدار ما في حياتنا الشعبية من الثروة الموسيقية المحتاجة إلى فنيين يتمكنون من استخراجها من مدافنها [20].

---

رابعاً: الموقف من الأسطورة والملحمة — الوظيفة لا التقليد

١. الأسطورة وسيلة لا كغاية

موقف سعاده من الأسطورة وسيلة ووظيفي. غايته إحياء روحية جديدة في الشعب السوري ووصله بتراثه المغيب. أراد من الشعراء أن يجدوا موصل الاستمرار الفلسفي بين القديم السوري والجديد [21].

٢. «عبقر»: الخرافة العربية بلا مغزى فلسفي

كما رأينا، «عبقر» في نظر سعاده ليست أسطورة بالمعنى الفلسفي، بل هي الوهمية العربية التي زعموا أنها بلدة مسحورة تسكنها الجن [22]. وحين كتب عنها معلوف، أعطاها صورة خيالية فنية راقية وخرافة فلسفية، لكنها بقيت في نظر سعاده دون مستوى الأساطير السورية الأصلية التي تحمل مغزىً فلسفياً في الوجود الإنساني [23].

---

خلاصة: الجمال كإثبات لوجود الأمة

تتلخص جمالية سعاده في مقولة مركزية: الجمال قيمة اجتماعية. وهو يقوم على أربعة أعمدة:

1. القيمة قبل الشكل: لا جمال بلا مضمون نهضوي. الشكل الجميل بلا روح هو لهو باطل.
2. المضمون قبل الوسيلة: لا فرق بين شعبية وفنية، بل بين ما يخاطب الغرائز وما يبني المثل العليا.
3. النفسية قبل الجغرافيا: التراث السوري الأصيل (جلجامش، بعل، تموز) يحمل نفسية سورية، بينما التراث الوافد (عبقر، عنترة، الزير) يحمل نفسية قبلية.
4. الوظيفة قبل التقليد: الأسطورة والملحمة ليستا غاية، بل مادة خام لاستخراج القيم والمثل العليا.

في هذا الإطار، كل الفنون — موسيقى، أدباً، مسرحاً، فنوناً بصرية — لها قيمة وسيلة: إنها وسائل للنهضة القومية، لا غايات قائمة بذاتها. الجمال لا يصبح جميلاً حقاً إلا حين يُبنى به صرح الأمة.

---

الهوامش والاقتباسات

[1] «ليست قيمة الحق، ولا قيمة الحقيقة والخير والجمال، مادية... إنها قيم إنسانية نفسية — إنها قيم مجتمعية».
المصدر: أنطون سعاده، «الحق والحرية»، النشرة الرسمية للحركة القومية الاجتماعية، بيروت، المجلد الأول، العددان 3 و4، 15/12/1947 و1/1/1948.

[2] «إن قيمة الفرد، اجتماعياً، تتعين بمقدار تمثيله لقيمة الإنسان العام، وليس لقيمة الإنسان الخاص — أي بمقدار أخذ الفرد بقيم فكرية تعبر عن جمال مطالب المجتمع وسموها».
المصدر: أنطون سعاده، «من بين أوراق سعاده»، شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية.

[3] «فإذا وجدت هذه القيم من غير أن تمتّ إلى مجتمعنا بصلة ومن غير أن تعبّر عن حقيقته أو جماله أو خيره، فلا خير ولا حق ولا جمال».
المصدر: أنطون سعاده، «المحاضرات العشر»، المحاضرة الأولى، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، مؤسسة سعاده للثقافة.

[4] «النهضة، إذاً، هي الخروج من التفسخ والتضارب والشك إلى الوضوح والجلاء والثقة واليقين والإيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة. هذا هو معنى النهضة لنا».
المصدر: أنطون سعاده، «المحاضرات العشر»، المحاضرة الثانية، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، مؤسسة سعاده للثقافة.

[5] «إن النهضة القومية الاجتماعية وروحها قد وضعت على أكتافكم عبئاً كبيراً عظيماً لأنها تعرف أن أكتافكم أكتاف جبابرة وسواعدكم سواعد أبطال».
المصدر: المرجع السابق.

[6] «أن نبقي الفكر السوري حراً مستقلاً، لأنه متى خضع الفكر القومي لفكر أجنبي فماذا يبقى من الاستقلال؟ وإذا خضع النظر في قيم الحياة إلى نظر أجنبي فماذا يبقى من الاستقلال؟».
المصدر: أنطون سعاده، «المحاضرات العشر»، المحاضرة الثانية، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، مؤسسة سعاده للثقافة.

[7] «مبدأ أن المبادئ توجد للشعوب، لا الشعوب للمبادئ — مبدأ أن كل مبدأ لا يخدم سيادة الشعب على نفسه ووطنه هو مبدأ فاسد — مبدأ أن كل مبدأ صحيح يجب أن يكون لخدمة حياة الأمة».
المصدر: أنطون سعاده، «المحاضرات العشر»، المحاضرة الثانية (شرح الخطاب المنهجي الأول)، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، مؤسسة سعاده للثقافة.

[8] «كل حق وكل خير وكل جمال لكي يصح أن يكون قيماً حقيقية مطلقة عندنا يجب أن يخضع لشروط رؤيتنا إياها كذلك أو اشتراكنا في رؤيتها كذلك».
المصدر: أنطون سعاده، «الرسالة السادسة إلى غسان تويني»، 4 آب 1946.

[9] «إننا نستمد مثلنا العليا من نفسيتنا ونعلن أن في النفسية السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم».
المصدر: أنطون سعاده، «الرسالة الخامسة إلى غسان تويني»، 9 تموز 1946.

[10] «إن مسألة الحق ليست مسألة عددية، بل مسألة إنسانية اجتماعية. الحق قد يبتدئ بفرد وقد يبتدئ بعدد قليل ضئيل وقد يبتدئ بعدد كثير. ولكن شرط الحق في الإنسانية، ليكون حقاً، أن لا يعلن نفسه ساعة ويختفي، وأن لا يختزنه العدد الفردي أو المجموعي في نطاقه الخاص فيفنى فيه — أن لا يكون حقاً عددياً، بل حقاً اجتماعياً لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به العدد، بل يمتد في المجتمع بلا حدود — في المتحد نفسه في تعاقب أجياله».
المصدر: أنطون سعاده، «تعاليم وشروح في العقيدة: المجموع والمجتمع»، النشرة الرسمية للحركة القومية الاجتماعية، بيروت، المجلد الأول، العدد الثاني، 1 كانون الأول/ديسمبر 1947. أعيد نشره في الأعمال الكاملة، المجلد السابع (1944–1947)، بيروت: مؤسسة سعاده للثقافة، 2001، ص. 386.

[11] «إننا لم نرَ لجنة فرنسية تقول لو أتينا بقبر نابليون ودانتون... فما قولك بلجنة سورية تقول لو اغتصبنا قبر صلاح الدين من دمشق واغتصبنا قبر المسيح من القدس ووقفناهما على البرازيل لما وفينا ما علينا لها من الإكرام؟».
المصدر: أنطون سعاده، «لجنة التمثال تهين شعور العالمين المسيحي والإسلامي»، الأعمال الكاملة، المجلد الأول.

[12] «أما في الأدب السوري فقد أعطانا شفيق معلوف صورة خيالية فنية راقية وخرافة فلسفية وشاها بشعر جميل حي».
المصدر: أنطون سعاده، «عبقر»، المجلة، بيروت، المجلد 8، العدد 4، 1 حزيران 1933.

[13] «الخلو من النظرة الفلسفية إلى الحياة والكون والفن... وأعتقد أن الخلو من هذه النظرة هو السبب الذي حمل الشاعر على دفن شاعرته في تتبع الخيالات والخرافات العربية الخالية من المغزى الفلسفي».
المصدر: أنطون سعاده، «طريق الفكر السوري»، الأعمال الكاملة، المجلد الأول.

[14] «إن في عبقر ابتكاراً جميلاً في الشكل أو الأسلوب، ولكن هل حملت إلى الأنفس اتجاهاً جديداً، أعلى مطلباً وأرقى غاية وأسمى نهاية؟ كلا».
المصدر: المرجع السابق.

[15] «الغناء كما يفهمه عامة السوريين شيء ليس بذي اعتبار كبير... نتيجته في كل حال ليست نتيجة حسنة، بل هي إذا أُعمل النظر نتيجة سيئة جداً، كثيراً ما تؤدي إلى فساد الأخلاق وزيادة الجهل».
المصدر: أنطون سعاده، «فن الغناء»، المجلة، سان باولو، السنة 10، الجزء 7، 1 آب 1924. الأعمال الكاملة، المجلد الأول.

[16] «الفروق الكثيرة بين معنى الغناء عندنا وبين معنى الغناء الفني الذي يشغل قسماً كبيراً في حياة الشعوب والأمم الراقية».
المصدر: المرجع السابق.

[17] «شعور سامٍ وعواطف متأثرة وتأملات روحية ترفع الأنفس إلى عالم الأثير الدقيق».
المصدر: المرجع السابق.

[18] «الرقص الحالي وباء اجتماعي... نعتقد أن الرقص العامل الأساسي في إبلاغ الطلاق في الولايات المتحدة الحد الذي بلغه الآن».
المصدر: أنطون سعاده، «عيوب الرقص والمراقص»، الأعمال الكاملة، المجلد الأول.

[19] «الفنون على أنواعها، ومن ضمنها الأدب، هي عنوان ارتقاء نفسيات الأمم».
المصدر: أنطون سعاده، «في عالم الفن: معرض التلوين الصوري»، ألف باء، دمشق، العدد 3151، 13/6/1931. الأعمال الكاملة، المجلد الأول.

[20] «شيء جديد جميل ينبّهنا إلى مقدار ما في حياتنا الشعبية من الثروة الموسيقية المحتاجة إلى فنيين يتمكنون من استخراجها من مدافنها».
المصدر: أنطون سعاده، «تمهيد وأناشيد سورية»، المجلة، بيروت، المجلد 8، العدد 2، 1 نيسان 1933. الأعمال الكاملة، المجلد الأول.

[21] «يجدوا موصل الاستمرار الفلسفي بين القديم السوري والجديد».
المصدر: أنطون سعاده، «الصراع الفكري في الأدب السوري» (1943)، فصل «طريق الأدب السوري» أو «طريق الفكر السوري».

[22] «الوهمية العربية التي زعموا أنها بلدة مسحورة تسكنها الجن».
المصدر: أنطون سعاده، «عبقر»، المجلة، 1933؛ و«طريق الفكر السوري»، الأعمال الكاملة، المجلد الأول.

[23] «مغزىً فلسفياً في الوجود الإنساني».
المصدر: أنطون سعاده، «عبقر»، المجلة، 1933؛ و«طريق الفكر السوري»، الأعمال الكاملة، المجلد الأول



سعاده: بناء سورية جديدة

طه غدار

" لم تتعرض أمة لحوادث تاريخية عظيمة ذات تأثير طويل على تاريخها وحياتها كالحوادث التاريخية الجليلة التي ألمّت بأمتنا العظيمة .. و أوجدت حالة سادت في هذه البلاد الجميلة .. وتضعضعت العقلية تحت ضربات الحروب والفتوحات فضاعت المعنويات السورية ..
كان عن وراء هذة الأطوار القاسية التي مرت بالأمة إن الفضائل الكبرى التي إمتازت بها أمتنا وإنبثق منها فجر التمدن غارت تحت أطباق الخراب والإنحلال القومي، وحلت محلها خصال غير جديرة بإنهاض الأمة من كبوتها . وتبع ضياع المعنويات ضياع الشخصية القومية و مصالحها الكبري . وأدى التضعضع الاجتماعي الى التضعضع الاقتصادي ... ولم يبق لها سوى بعض المؤسسات كالمراجع الدينية والمعابد والسلطة الاقطاعية ونظام العشيرة أو رابطة العائلة الدموية .. (سعاده - خطاب اول اذار 1938) .
ساعد إختلاف المذاهب الذي منيت به "سورية" على إفقادها كل سبب من أسباب الوحدة الاجتماعية والسياسية وكل طموح الى القوة السياسية. .. وكان من نتائج عصور الخضوع وحلول التصادم الاجتماعي الداخلي المسبب عن تزاحم الجماعات الدينية محل التعاون الاجتماعي الذي هو الطريقة الأساسية لحفظ حياة المجتمع وشخصيته وتأهيله للتقدم في مراقي العمران والتقدم إن الأجيال السورية أخذت تتوارث أمراً مفعولا وحالة راهنة .. فأخرجت الثقافة الاستعمارية في سورية طبقة مثقفة خالية من المثال الأعلى القومي، مجردة من الثقة بمواهب الأمة السورية الممتازة .. مقتنعة بان الحال الراهنة أمر إلهي أو طبيعي..."
(سعاده - شق الطريق لتحيا سورية 1947" ..
"..خلو مجتمعنا القومي ، مدة أجيال وقرون طويلة ، من مؤسسات قومية بالمعنى الصحيح ومن تقاليد قومية عامة يصح الإستناد إليها .. والمؤسسات لا تصلح بالمرة ولا يصح إعتماد أية موسسة منها نقطة إرتكاز او انطلاق ، في عمل البناء القومي الاجتماعي." (محاضرة الزعيم في مؤتمر المدرسين 5/7/1948 )
ويصور سعادة الواقع الأسري والاجتماعي عامة في مقالته :" تربيتنا الاجتماعية وتطورها بين القديم والحديث (1931.1.24) . وتفحص المستوى الثقافي لشعبنا إنطلاقاً من ذاته دون أي خلفية مسبقة .

ولما كان سعادة يدرك تمام الإدراك المستوى المتدني على جميع المستويات لشعبه وضع كل شيء يحتاجه في عملية النهوض القومي. ودقّت ساعة التأسيس لحزب يحمل فكرة إعادة "بعث سورية من غياهب النسيان ، من قبر التاريخ" و يعلن "إنبثاق الفجر من الليل" لتعود سورية لتنطق أحكاماً جديدة تنهض بها من قيود الخمول والرجعة إلى صدارة العالم المتمدن : "تأسس الحزب بموجب تعاقد " بين طرفين : الزعيم من جهة والأعضاء من جهة أخرى ، فكان حادثاً جديدا تخطى كل ما هو قائم من واقع إجتماعي سبق عرضه وسياسي خلاف كل الأحزاب في العالم والوطن على السواء لاسيما الأحزاب الببغائية والمذهبية والأثنية المحملة بموروثات العهود البائدة التي مرت على سورية في القرون السالفة الأخيرة، ولتعلن بصوت عالٍ بإبتكارها ما يُدهش العالم وهذا ما أعلنته المحاكمة الاولى عام 1936 : الحزب السوري القومي الاجتماعي .. كان هذا الاعلان بمثابة إشراقة شمس سورية على العالم.
لم تفاجئه زحمة المآسي التي يعاني منها الشعب السوري فقد كان قد حظي بكم كبير من الدراسة العميقة للواقع السوري برمته. فكان الحزب الذي يعالج كل الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية على إطلاقتها. وكان سعادة قد وجه رسالة الى الجالية السوربة في البرازيل على أثر وفاة والده عام 1934، أورد فيها الاسئلة التالية: هل نحن أمة حية؟ هل نحن مجتمع له هدف في الحياة! هل نحن قوم لهم مثل عليا ؟ هل نحن جماعة تعرف أهمية الأعمال النظامية ؟ وسؤاله هل نحن أمة .. " يعني إبتداء البحث عن حقيقتنا، وهي نقطة الإبتداء في أي تفكير إنساني يحاول إدراك حقيقته ومحيطه ومقاصده في الحياة والمحيط. يعني إبتداء التفكير في معنى ماهية الجماعة الإنسانية التي هي نحن وأهدافنا الكبرى التي تعبر عن حقيقتنا ووجودنا نحن وجوهرنا نحن .

"كل هذا يعني ان قواعد الفكر التي نشأت عليها هذه النهضة القومية وينمو بها الحزب السوري القومي الاحتماعي هي قواعد فلسفة عميقة تتناول المسائل الاساسية ... هي عامة ثابتة، أو، بالمعنى الفلسفي المطلق ليست منسوبة الى وقت او حالة معينة وقتية تزول بزوال تلك الحالة.
بهذه الاسئلة وابتداء الفكر من هذه النقاط وضعت مبادئ الحزب السورى القومي الاجتماعي لتعطي الجواب على الاسئلة الفلسفية العلمية العميقة المتقدمة. " (المحاضرة الثالثة 1948.1.25)

وفي هذا السياق يكتب سعاده الى ادويك شيبوب (1988.1.6) : انه توخى " إقامة أمر لم يسبق له مثيل في وطننا ولم يسبق لأمتنا إختبار فيه"، وفي هذا السبيل أوقف إصدار مجلة "المجلة" في بيروت عام 1933 ليصرف كل عنايته "إلى تنظيم الحركة القومية التي كانت تحتاج إلى إنشاء وتأسيس كل أمر من أمورها، إذ لم يكن قبلها شيء إداري او إجتماعي أو سياسي أو ثقافي أو دستوري أو مناقبي يصح إعتماده لنوع هذه الحركة الجديدة ( من الظلمة الى النور-15/10/1942) ويعود سبب ذلك إلى ان مجتمعنا الذي كان خالياً مدة أجيال وقرون طويلة، من مؤسسات قومية بالمعنى الصحيح ومن تقاليد قومية عادة يصح الإستناد إليها. فالتقاليد القومية الجيدة، القديمة، كانت مبعثرة ومنسية والمؤسسات التي لم يكن غيرها قبل نشوء المنظمة القومية الاجتماعية ومؤسساتها، هي مؤسسات لا تصلح بالمرة، ولا يصح إعتماد أية مؤسسة منها نقطة إرتكاز أو انطلاق في عمل البناء القومي الاحتماعي. فلا الكنيسة او الجامع او الخلوة( باعتبار مؤسسة الرابطة الدينية)، ولا العشيرة ولا الطائفة ولا الاقطاع ولا شيء من هذه المؤسسات الأولية يصلح لشيء من مبادئ الحياة الجديدة الحياة القومية الاجتماعية، ولست أستثني من هذه المؤسسات مؤسسة العائلة، البيت، فالعائلة عندنا هي مؤسسة دينية، طائفية لا مؤسسة قومية عامة. فالزواج والإرث وقضاياهما الحقوقية تصير على قاعدة الطائفة أولاً وعلى قاعدة الجذع الديني ثانياً ولا تصير على قاعدة الأمة مطلقاً .." (محاضرة الزعيم في مؤتمر المدرسين - تموز - آب 1948).

و يكتب سعاده الى أدويك شيبوب (12/11/1937)" إننا قد إجتزنا أعظم أزمة مرت بالحزب حتى اليوم. فإن ما تعرض له الحزب بمناسبة الانتخابات النيابية كان شيئاَ لم يسبق لأمتنا
أن إختبرت مثله في العصور المتأخرة". واضح من هاتين العبارتين للزعيم انه قَدِم لإتيان "عجيبة": رفع أمة من"قبر التاريخ" وبعث أمة من رميمها لا بسحر ساحر، إنما بعمل عزّ مثيله وخطة نظامية دقيقة مُحكمة أشار اليها في بعض كتاباته. وشرحها شرحاَ وافياَ في خطابه المنهاجي عام 1935.
ويأتي سعاده على سرد بدايات عمله الإنشائي العظيم: "بعد درس أولي منظَّم .. ولما كانت دروسي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية قد اوصلتني الى تعيين أمتي تعييناَ مضبوطاَ بالعلوم المتقدمة .. وهو حجر الزاوية للبناء القومي. والى تعيين مصلحة أمتي الاجتماعية والسياسية..وجدت أن لا بد من ايجاد وسائل تؤمن حماية النهضة القومية الاجتماعية الجديدة.." (رسالته الى محاميه حميد فرنجية 1935.)
ليتابع من كلمته في مؤتمر المدرسين "إذا حسبنا ما كان لنا نحن من قواعد النهوض والبناء بالنسبة لما كان عند غيرنا وجدنا اننا إبتدئنا من درجة الصفر. فقوميتنا كانت مجهولة وأصولها تفككت وتبعثرت من قرون بعيدة ولم أجد يوم إبتدأت تخطيطي البنائي، مؤسسة واحدة في أمتنا صالحة للارتكاز في عملية النهوض والبناء القوميين الاجتماعيين، كان عليّ أن أضع قواعد الحياة القومية وفلسفة الحياة القومية الاجتماعية، وأن أشرع للمنظمة القومية الاجتماعية التي أعلنتها عام 1935 دولة الشعب السوري الاجتماعية المستقلة الحقوق والواجبات العامة، وأن أوسس المؤسسات الجديدة الصالحة للحياة الجديدة التي نريدها ولمثلها العليا . الى مثل هذا العمل لم تحتج نهضة واحدة من النهضات المعاصرة في أي أمة من الأمم "سعاده - مؤتمر المدرسين عام 1948".
وكان سعاده قد أفاض في كتاباته عن أوضاع سورية قبل إنبلاج فجر النهضة القومية الاجتماعية مشيراً الى أن معرفة المجتمع ضرورة أولية لتعيين الأهداف العملية لادراك حقيقة الاصلاح المجتمعي السوري.
فكان المثال الأول على حقيقة هذه النهضة هو حلّ الحزب لعدم وجود دستور له عام 1932.ليعود الى تأسيسه بالعناصر الجيدة والصادقة والمخلصة. والمثال الثاني تجربة عملية خلال مشاركة الأعضاء في أول إنتخابات نيابية على الصعيد الشعبي العام، عام 1937 حيث جرى فصل عدد كبير من الأعضاء الذين لم يلتزموا بالقرار الحزبي، رافضاَ عملية تضخم عدد الأعضاء من العناصر الفاسدة التي لا تبني نهضة.
وكان سعاده قد طلب من السوريين معرفة أنظمة الدول الحديثة المتطورة، فكتب عام 1924 عن "نظام الحكومات" لتعريف الشعب على أنواع الدساتير وخلق ثقافة حقوقية ودستورية، وكيفية بناء المجتمعات وأنظمة الدول لإختيار النظام المناسب للدولة السورية المستقلة، لأنه لم يكن لدى شعبنا ثقافة حقوقية كونه لا يعرف حقوقه وواجباته.و واحب الاعضاء درس النظام الجديد دراسة معمقة لإدراك أهمية هذا النظام الذي يحب كل مشاكل سورية . من أجل ذلك صاغ سعاده النظام الأمثل لسورية، فأعلن في خطابه المنهاجي عام 1935: "أصبحنا أمة بعد أن كنا قطعاناَ بشرية وصرنا دولة تقوم على أربع دعائم: "حرية، واجب، نظام وقوة .." فكان "النظام الجديد" عام 1934 بعد وضعه العقيدة القومية الاجتماعية للمساهمة في عملية الأنتقال من حالة الى حالة أفضل" .. أهم عمل أساسي بعد تأسيس القضية القومية، .. هو إيجاد المؤسسات الصالحة لحمل مبادئ الحياة الجديدة وحفظ تعاليمها العليا وخططها الأساسية" (خطاب أول آذار 1938) واضح في قوله هذا الربط التام بين القضية والمؤسسات. وأتى في غاية الحزب :" إقامة نظام جديد يؤمن مصالحها (السورية) ويرفع مستوى حياتها" وكان سبق القول في خطابه المنهاجي 1935. "إنه النظام الجديد الذي لا بد منه لتكييف حياتنا القومية الجديدة ولصون هذه النهضة العجيبة التي ستغير وجه التاريخ في الشرق الأدنى "وليؤكد على ان هذا النظام يقضي على الأنانيات والطائفية" لولا مؤسساتنا القوية ونظامها المتين لكانت العوامل الشخصية الأنانية التي برزت في بعض الظروف تمكنت من تسخير جهاد الوف السوريين والسوريات لمطامعها" (خطاب أول آذار 1938) فكان هذا النظام لصيانة النهضة وتغيير وجه التاريخ بعد أن يكون الحزب قد نظم الشعب فكرياَ وعملياَ ليصبح "حركة شعبية واسعة النطاق" وهذا ما لم يحصل لتاريخه لأن الإدارات الحزبية غابت عن دور الحزب في المجتمع والدولة ! وغابت عن إقامة عادات و تقاليدمنبثقة من فحوىمجمل فكر سعادة. طرح سعادة نظام حياة جديدة لسورية والطريقة العمليةلتحقيق تطبيق دستور الحزب المتضمن الديمقراطية الجديدة. يقول سعاده في خطابه في سانتياغو 1940 "إننا نشق في الحياة طريقاَ جديداَ نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في تفكيرنا الخاص، وسوف يكون هذا الطريق من جملة الإنتاج الذي يأخذه الناس عنا. "إن التفكير الحاضر دخل في طور الشيخوخة في العالم كله، والبشرية بأسرها تنتظر تفكيراَ جديداَ تنال به سعادتها وراحتها وحريتها... إن الديمقراطية الحاضرة قد إستغنت بالشكل عن الأساس.. فالتفكيرالسوري القومي الجديد هو إيجاد طريقة اسمها التعبير عن إرادة الشعب"..هذه الفكرة الجديدة .. هي الإكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد، وهو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة"
أيضاً هذه الديمقراطية الجديدة لم تطبق لتاريخه في الحزب !؟
ويطرح سعاده في خطابه المنهاجي قاعدة جوهرية لوحدة الشعب في وحدة مجتمعية متينة (الأمة السورية مجتمع واحد) وكيفية إنشاء المؤسسات الأولى للدولة السورية المستقلة بقوله:"النظام في عُرفنا، هو ما قلت وكررت لا يعني الترتيبات الشكلية الخارجية، بل هو نظام الفكر والنهج، ثم نظام الأشكال (المؤسسات) التي تحقق الفكر والنهج، النظام في عًرفنا ليس مجرد تنظبم دوائر وصفوف. النظام شيء عميق جداَ في الحياة. ولذلك قلت إن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو قوة ستغير وجه التاريخ".
والنظام الذي قصده سعاده بمعناه التأليف والترتيب والتنسيق، ونظّم الأشياء وضمّ بعضها الى بعض. فالنظام هو: الترتيب والإتساق، فيقال نظم الأمر أي قوامه وعماده، والنظام: الطريقة، يقال ما زال على نظام واحد.
والنظام أحد مفاهيم العقل الأساسية، ويشمل الترتيب المكاني، والترتيب العددي و.. والنظام الاجتماعي مجموع القوانين التي ينبغي للأفراد أن يتقيدوا بها ويخضعوا لها.
ولمزيد من الإيضاح يقول سعاده في خطابه للطلبة القوميين الاجتماعيين في الجامعة الأميركية في 16/5/1949 " النظام القومي الاجتماعي الذي يعد ويبني ويوَّحد النفوس والإرادة التي يدركها كل فرد من أفراد الحركة القومية الاجتماعية، ويسير إليها بوعي وفهم صحيح وتعاون مشترك... إرادة واحدة وخطة واحدة تكفل لهذه المواهب السورية العظيمة الانتصار والتغلب على كل ما يمكن أن يعترض طريقها.
إن القوة النظامية مهما كانت صغيرة أفضل بكثير من الجماهير التي لا يجمعها إرادة واحدة في الحياة ونفسية واحدة وبناء مناقبي واحد "أما نظام الفكر فهو يضمن إعمال العقل في كل الشؤون الإنسانية. والنهج هو سلوك الطريق الواضح والبَّين السبيل المستقيم، للنجاح في عملية بناء المؤسسات القومية للدولة السورية المستقلة. وجدير هنا أن نورد، ان الحزب "تأسس بموجب تعاقد بين الشارع صاحب الدعوة الى القومية السورية الاجتماعية، وبين المقبلين على الدعوة على أن يكون واضع أسس النهضة السورية القومية الاجتماعية زعيم الحزب مدى حياته وعلى أن يكون معتنقو دعوته ومبادئه أعضاء في الحزب يدافعون عن قضيته ويؤيدون الزعيم تأييداَ مطلقاَ في كل تشريعاته وإدارته الدستورية.." فالزعيم هو الطرف الأول والأعضاء هم الطرف الثاني في العقد، ويبقى الأمر كذلك بعد استشهاد سعادة ولا يمكن على الإطلاق أن يصير الأعضاء محل سعادة مصدر السلطة. فحزبنا هو الحزب الوحيد في العالم الذي تأسس بالتعاقد، وتقوم سلطة الزعامة بإرادة عامة (المقبلين على الدعوة).و إعتناق الفكر السعوديه ، وإنبثاق السلطة السياسية في الدولة القومية بإرادة أعضائها الذين بايعوا سعادة زعيماً. والتعاقد بمعناه إقبال العضو بشغف على الإنتماء لهذه النهضة العجيبة التي ستغير مجرى التاريخ، وإقبال العضو بكامل حريته وعقله المنفتح على التفكير الصحيح والإبتعاد عن الخطأ . ويعني حماية العضو من "إرهاب" المؤسسات الفاسدة"نفذ ثم اعترض"، بل ان ننفذ ما تعاقدنا عليه مع الزعيم الخالد.
فالتعاقد هو إطلاق العقل من معاقله، من عقده التي غلفَّت الإنسان السوري لعقود بقيود المذهبية والعرقية والعشائرية، وإطلاق الفعل التغييري في المجتمع والدولة.
والتعاقد هو حصن للرفيق ومصدر منعة وقوة له، يفكربالأنسب والأفضل لمجتمعه وبلاده ويُطلق عقله من قيود الإتكالية والتبعية والإقطاعية، وأن له الحق المطلق بالمشاركة في كل شؤون المجتمع والدولة القومية العتيدة المصالح أحيانا.
كما يتطلب العقد من الأعضاء (الطرف الثاني) أن يكونوا أمناء على القضية وصيانة الحزب من الإنحراف. والسهر على الحزب للقيام بدوره القومي كاملاً. ولهم الحق بتقديم شكوى للمحكمة الحزبية عن إنحراف أي مسؤول عميد أو رئيس حزب ... لمحاكمته. وهذا ما أخفق لتاريخه الأعضاء على مواجهته بدءاً من اللوم الذي وجهه سعاده للأعضاء في محاضرته الأولى بالندوة الثقافية عام 1948 لسكوتهم على الإنحراف الذي وقعت به الإدارة الحزبية خلال فترة اغترابه القسري.
ومفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي يختلف عن كل الأحزاب السورية والعربية والأجنبية "إن الحزب السوري القومي الإجتماعي لم ينشأعلى القاعدة المعروفة في مبادئ العلم السياسي والعلم لاجتماعي ، التي تعرَّف الاحزاب بأنها تنظيم جماعات ذات مصالح معينة ضمن الدولة، وتكون هذه المصالح أحياناً مصالح الحكم. فهو حزب من حيث دلالاته على تحزب معتنفي مبادئه وانتظامهم لتحقيق هذه المبادئ، ولكنه في طبيعته حركة ترقى الى تناول الشعب السوري كله بالتنظيم الفكري والعملي لأن مبادئه مبادئ حياة الأمة السورية بأسرها." (مصير سورية بعد الحرب 1940).
عندها يكون الحزب حركة شعبية واسعة النطاق أو "حركة الشعب العامة". وفي هذا الشأن يبرز الدور المحوري للحزب في نهضة المجتمع. وقد قصرت كل إدارات الحزب بعد سعاده في تطبيق الناحية العملية التي أشار عليها سعاده في خطابه المنهاجي حول عملية التلازم بين العقيدة والنظام كما في قوله "إن مبادئنا قد كفلت توحيد إتجاهنا، ونظامنا قد كفل توحيد عملنا في هذا الإتجاه".وأعاد تكرار هذا التلازم في عدة مقالات له كما في مقالته "جنون الخلود" (1/5/1942) إني لا أقدر أن أنزع نظامي عن مبادئي فهما كالدورة الدموية والأعصاب للجسم فلا يحيا ولا يتحرك إلا بهما كليهما. إن النظام وحده لا يحييكم. إن اكسير الحياة في مبادئي، أما نظامي فليس سوى الجهاز الذي يتم به نقل الإكسير الى الأجسام" كما أورد في خطابه المنهاجي إن النظام الذي وضعه هو "الوحيد" الذي ينقذ سورية ، وكرره في آخر محاضراته " هذه النهضة بتعاليمها، بمثلها، بالنظام الذي أوجدته في داخلها والذي ترمي الى تحقيقه في الأمة كلها، هو شيء وحيد في شرقي البحر المتوسط وله خصائص وميزات يمتاز بها بالنسبة الى كل مجتمع حر في العالم كله" وفي مواضع أخرى من كتاباته.
وهذا ما يؤكد إن "النظام الجديد" الذي هو في غاية الحزب يمنع تعديله أو تغييره لأنه النظام الوحيد المنقذ لسورية أولاً وللبشرية ثانياً.
ونضيف في هذا المجال أن الزعيم لم يترك الدستور ناقصاً أبداً، هو وضع كل شيء يحتاجه لفترة زعامته، فكان تاماً لهذه الجهة لا ناقصاً.ودعا أول مجلس اعلى بعد غيابه لتعديل المادتين 12 و13 فقط بالشكل الموافق للفكر الدستوري القومي الاجتماعي بديمقراطيته التعبيرية وبعدها يُمنع المساس به على الإطلاق. وما علينا نحن الأعضاء بعده سوى إعمال العقل والعمل بموجب خطته الواضحة في الخطاب المنهاجي لبناء المؤسسات الجديدة للدولة السورية المستقلة وفق تعاقدنا معه في قوله في خطابه المنهاجي"كل عضو في الحزب يشعر أنه آخذ في التحرر من السيادة الأجنبية والعوامل الخارجية ، لأنه يشعر أن الحزب هو بمثابة دولته المستقلة التي لا تستمد قوتها من إنتداب ولا تستند الى نفوذ خارجي.
الحقيقة . أيها الرفقاء إننا قد ترابطنا في هذا الحزب لأجل عمل خطير جداً هو إنشاء دولتنا وليكون كل واحد منا عضو دولته المستقلة". كان العقد الذي التزمنا بحقيقته وفق ما أورده سعاده في خطابه المنهاجي هو تعاقدنا على إنشاء دولة بسبب عدم وجود دولة في سورية. كون فكرة الدولة كانت غائبة كلياً عن أذهان الشعب وبالتالي الأعضاء في ظل الإنغماس الكلي بالشؤون الدينية والعشائرية والإثنية. ولم يستلهم مثقفي شعبنا نظماً غربية بعد دراستهم فيها أو عنها أو بما يلائم وضعنا السوري. فكان سعاده هو السباق في هذا الميدان بعد درسه العميق للوضع السوري العام .. وذلك أن الشعب الذي ينشئ دولة على أسس راسخة ثابتة في حياته، هو شعب يبني مؤسساته بيده لإعادة تنظيم حياة مجتمعه وفق رؤية جديدة على الصعيد الاجتماعي السياسي.
وفي هذا الشأن يقول سعاده في خطابه في مؤتمر المدرسين عام 1948 " كان عليّ أن أضع قواعد الحياة القومية الاجتماعية وأن أشَرّع للمنظمة القومية الاجتماعية التي اعلنتها سنة 1935دولة الشعب السوري الاجتماعية المستقلة الحقوق والواجبات العامة، وأن أوسس المؤسسات الجديدة الصالحة للحياة الجديدة التي نريدها ولمثلها العليا."
واضح إن الدولة بمؤسساتها من هنا كانت إشارة الزعيم في خطابه في أول آذار 1938 "إن إنشاء المؤسسات ووضع التشريع هو أعظم اعمالي بعد تأسيس القضية القومية، لأن المؤسسات هي التي تحفظ وحدة الإتجاه ووحدة العمل، وهي الضامن الوحيد لاستمرار السياسة والإستفادة من الإختبارات. بواسطة مؤسساتنا الحزبية المنظمة تمكنا من القضاء على الفوضى وترقية خططنا واساليبنا. لولا مؤسساتنا القومية ونظامها المتين لكانت العوامل الشخصية الأنانية التي برزت في بعض الظروف تمكنت من تسخير جهاد ألوف السوريين والسوريات لمطامعها".
وبالنظر الى ما وصل اليه الحزب اليوم ، من شرذمة وإنقسامات نتيجة إنحراف إدارات الحزب عن سلوك الطريق السليم وفق فكر سعاده العقدي والدستوري تمكنت العوامل الشخصية الأنانية من تسخير جهاد أعضاء الحزب لمصالح الإدارات الحزبية المنحرفة التي عطلت خطة سعاده لإقامة المؤسسات الضامنة نجاح الحزب ليكون حركة شعبية واسعة النطاق.
هكذا غاب الحزب عن الشعب الذي أتى سعاده لإنقاذه بواسطته وما زال !
وسافر سعادة عام 1938 الى المغترب لتنظيم فروع حزبية لرفد الوطن بالمساعدة في ظروفه الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. وسلّف المجلس الأعلى بالوطن سلطة إدارية تشريعية وتنفيذية على ان يتقيد بفكر سعادة ونظامه.
وبعد حصول الكيان اللبناني على الاستقلال عام 1943 تقدمت إدارة الحرب بطلب رخصة للعمل العلني عام 1944 على أساس كياني لبناني. وأقيمت إدارة محلية للكيان الشامي والفلسطيني. وإستمر الأمر كذلك لحين عودة سعاده إلى الوطن في آذار 1947.

وكان سعاده قد أرسل إلى القوميين الاجتماعين قبيل عودتةرسالة (19\1\1947) رفضت إدارة الحزب توزيعها. وعند عودته نشر الرسالة في النشرة الإذاعية. يذكر فيها الأعضاء بالتعاقد معه : " آمنتم بي معلما وهادياً للأمة والناس ومخططاً وبانياً للمجتمع الجديد وقائداً للقوات الجديدة الناهضة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا الجديدة الى النصر. وآمنت بكم أمة مثالية معلمة وهادية للأمم بنٍاءة للمجتمع الإنساني الجديد، قائدة القوات التجدد الإنساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحيية وضياءها المنير إلى الأمم جميعها ..." وكان سبق له ان كتب بمناسبة وفاة والده عام 1934رسالة إلى المغتربين السوريين طرح فيها خمسة اسئلة منها سؤاله :" هل نحن جماعة تعرف اهمية الاعمال النظامية".
وتبين لاحقاً أن الاعضاء قد خذلوه في مواجهة الإنحراف فوجه لهم لوماً في أولى محاضراته عام 1948 كما تبين لتاريخه بعد الشرذمة الحاصلة إنهم لا يعرفون أهمية الأعمال النظامية ولا معنى تعاقدهم مع الزعيم الخالد.و كان سعاده قد عمل بُعَيد عودته الى الوطن عام1947 إلى تطهير إدارة الحزب من الإقطاع الداخلي وأطلق الندوة الثقافية وأعاد فيها شرح المبادئ والنظام تأكيداً على أنهما الحل الوحيد لسورية.
وکتب بعدها مقالته "المثالية الأولى" التي أتى فيها على ذكر إنحراف إدارة الحزب خلال فترة إغترابه القسري (1948.6.1) : "مر الحزب، في أثناء غياب الزعيم في أميركة، في فترة تهدمت فيها المثالية النظامية والعقدية. فاتجهت الأعمال الحزبية نحو المظاهر، بدل الاتجاه الأول الصحيح الذي كان نحو البناء الداخلي وتأسيس القيم النفسية، الأخلاقية والمناقبية، وإعداد الطرق العملية لانتصار القضية القومية الاجتماعية المقدسة. ولم يقتصر الاتجاه الانحرافي على طلب المظاهر، بل تعداه إلى نشوء نفسية التسوية بين القضية القومية الاجتماعية، الكلية الإجماعية وبين المآرب والمطامع الخصوصية، الفردية في عدد غير قليل من الذين صاروا في الطبقة الظاهرية من الحركة القومية الاجتماعية ...
أعلن الزعيم، في ختام خطابه التاريخي يوم عودته الى الوطن : "العودة إلى الصراع" والعودة الى الصراع تقتضي عودة إلى المثالية الأولى، مثالية الإيمان بالقضية القومية الاجتماعية المقدسة...
إننا لانريد في الحزب القومي الاجتماعي كثرة عدد متضخم يمكن أن يفيد الذين اصبحوا يميلون إلى التسوية ويغريهم ضعف الإيمان ووهن البناء النفسي العقدي بالمساومات والمضاربات.
إن عملية تطهير الحزب من نفسية المساومات والمضاربات ستستمر وسيقضى على الإنغماس السياسي الخصوصي قضاءً مبرماً فلا يبقى في الحزب غير جنود عقيدة ونظام وإيمان بالنصر .." كان يجب ان تكون هذه المقالة بمثابة درس بليغ جداً بمواجهة إدارة الحزب المنحرفة. لكن ما حدث بعدها من إستشهاد سعاده بعد سنة من تاريخ نشرها وعودة الإدارة المنحرفة السابقة إلى سدة المسؤولية أبعد عملية الإصلاح التي كان ينشدها سعادة مما أعاد الأمور الى الخلف وما زال الأمر مستمراً لتاريخه.
.
هامش: يتبع جزء ثان




نُشر في ثقافة

اقرأ أيضاً

ثقافة

العدد الاول

نطلق نشرة الكترونية جديدة هي "النظام الجديد" على مثال الاسم الذي أطلقه سعاده على نشرته الثقافية عامي 48 49 وكان هو الموجه لها. نحن هنا أمام هيئة مشرفة…

ثقافة

قيامة وطن

ماذا علينا أن نفعل حتى نعيد ألوان نسيجنا وغنائنا إلى سابق عهدها من الحياة والحيوية، وتكون قيامة وطننا متلازمة مع قيامة يسوع؟