نطلق نشرة الكترونية جديدة هي "النظام الجديد" على مثال الاسم الذي أطلقه سعاده على نشرته الثقافية عامي 48 49 وكان هو الموجه لها. نحن هنا أمام هيئة مشرفة على التحرير مؤلفة من رفقاء مشهود لهم بالثقافه والصدق والإخلاص في كتاباتهم .
هذه النشرة شهرية ومخصصة لفكر الزعيم الخالد وحزبه وسنعمل على نشر كل ما يخص هذا الفكر ٱملين ان يجد من القراء قبولا والمساهمة بالانتشار لرفع مستوى الاعضاء فكرا ونظاما .
في العدد الاول ملف هو قراءه لمقالات وخطب سعاده عند عودته من مغتربه القسري ومواجهة إنحراف الادارة الحزبية وتأكيده أولا ان هذه العقيده والنظام في وحده متينة كما وردا في دستور الحزب وإنهما الحل الأمثل لإعادة نهضة سورية من كبوتها بعدما خذله أعضاء المجلس الاعلى خلال فترة غيابه وساير الاستقلالات الوهمية عبر إنشائه إدارة خاصة للشام واخرى لفلسطين فألغى سعاده هذه التقسيمات الغريبة عن فكره المركزي .
وهذا الملف هو تكرار لانحراف الإدارة الحزبية وضرورة أن يقوم الاعضاء بمواجهه كل المفاسد وإعادة انطلاق الحزب مجددا من دستور سعاده الاساسي.. هذا الدستور الذي أعلنه في خطابه في سانتياغو في ايار 1940 انه "دستور سورية"وان سورية تقدمه" هبة" للبشرية وأعلىن فيه ان الديمقراطية التمثيلية قد شاخت وإنتهى دورها. و كانت ميركل التي حكمت ألمانية 16 عاما قد أعلنت في خطابها الوداعي إنهالم تستطع بناء دولةديمقراطية... و نتابع مع سعادة ...وان سورية تقدم للعالم ديمقراطية جديدة هي التعبيرية التي لم يعمل بمضمونها الحزب لتاريخه.
وهذا الملف هو تكرار لإنحراف الادارة الحزبية وضرورة ان يقوم الاعضاء بمواجهة كل المفاسد وإعادة إنطلاق الحزب مجددا من دستوره الاساسي.
هي نشرتنا الاولى نضعها بين أيديكم ايها القراء املين إن تجدوا فيها مادة فكرية دسمة من كتاب ٱلو على أنفسهم صدق إيمانهم بالزعامة القومية وما أنتجته من تشريعات عقدية ونظامية وخطط عملية لإنقاذ سورية من المفاسد والعمل لوحدة المجتمع السوري و الإهتمام بكافة أوضاعه وتوجيهه نحو التقدم والرقي.
تحي سورية
فهرس العدد الأول
01 — روح الزعيم
هنري حاماتي
02 — رسالة الزعيم إلى حميد فرنجيّة
الدكتور محمود شريح
03 — محاضرة الزعيم الأولى بعد 78 سنة
شحادة الغاوي
04 — الخطاب المنهاجي الأول: إعلان السيادة القومية
الدكتور علي حمية
05 — قراءة أولية في: «رسالة الزعيم الثانية للقوميين الاجتماعيين»
د. جهاد نصري العقل
06 — تصحيح مسار الأسطورة.. إنليل – سعاده
زيد قطريب
هاتان الصورتان تنشران للمرة الاولى. عن مجلة رادار الفرنسية قبل صدور الحكم على سعاده مساء الساعه 9:00 تماما..


01-روح الزعيم
هنري حاماتي
لم يكن سعاده زعيماً بذكائه وتوقد شخصيته، وقوة ذاكرته، وطاقته على التحليل والاستنباط والخلق، وعلى النفاذ إلى أعماق الأمور، وقدرته على الإحاطة بمختلف المظاهر، وعلى جوب أبعد الأبعاد.
إنه بهذه المزايا الرفيعة إنسان ذو مؤهلات شخصية فريدة.
لم يكن سعاده زعيماً بثقافته العالية، الواسعة، التي حققها لنفسه بدراسات مستمرة لم تتوقف، حتى في أصعب الأيام التي مرت بها الحركة القومية الاجتماعية.
ولا بأخذه بعلوم التاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والتشريح والنفس والاقتصاد والكيمياء الصناعية، والسياسة، والحقوق، والاجتماع، وغيرها من علوم العصر.
ولا باطلاعه على مختلف الفلسفات المعروفة اليوم في العالم،
ولا باعتماده معطيات العلم، قواعد لتعاليمه،
ولا بكونه صاحب نظرة فلسفية شاملة إلى الحياة، يمكن تفسير مختلف مظاهر النشاط البشري على ضوئها.
فإنه بهذه المزايا، فيلسوف.
ولم يكن سعاده زعيماً بالمبادئ القومية الاجتماعية التي وضعها والتي تؤلف بشروحها قضية تامة مستقلة هي كل قضية الوطن السوري.
ولا بالمفاهيم الجديدة التي تقدمها هذه المبادئ، والتي هي، في حقيقتها، تيار ثوري جديد، تنطلق فيه قوى الأمة بقيادة التعاليم الجديدة، لسحق قواعد الحياة القديمة الفاسدة، وإنشاء حياة جديدة صالحة راقية.
إنه بهذا معلم.
ولم يكن سعاده زعيماً لأنه أسس حزباً، له دستوره ونظامه، وقوانينه ومؤسساته.
حزب يتعلم فيه المواطنون كيف يصيرون مواطنين صالحين:
يتعلمون فيه فضائل النظام، والواجب، والصراع، والانضباط.
حزب تتجسد فيه التعاليم والأفكار والمبادئ، صراعاً لم يعرف العالم مثيلاً له اليوم.
حزب هو المدرسة الاجتماعية الوحيدة التي تخرج رجالاً ورجالاً للقتال.
إنه بتأسيسه الحزب مشرّع، ورجل دولة، من طراز رفيع.
وبقيادته الشعب، ضمن هذا الحزب، في معارك التحرير القومي، هو رجل قيادة، إنه قائد.
ولم يكن سعاده زعيماً بتخطيه مختلف عوامل الحياة السياسية التقليدية، وبنائه سلوكاً سياسياً جديداً لم تعرفه هذه البلاد من زمن طويل.
سلوك يتميز بالمحبة، والصراحة، والصدق، والجرأة، والمسؤولية، والعناد، والتضحية.
إنه بهذا واضع أسس جديدة للعمل السياسي في مجتمعنا.
كان سعاده زعيماً لأن جميع صفات النبوغ والعبقرية اجتمعت فيه.
بروح هذا الرجل الذي افتقدته أمتنا من ألوف السنين.
بروح هذا الرجل تتابع النهضة القومية الاجتماعية صراعها وكفاحها وبناءها وقتالها.
وبهذه الروح العجيبة، روح الزعيم، ينتصر مجتمعنا على آفاته وأعدائه، وتتحقق آمال الملايين من طالبي الحياة العزيزة.
بهذه الروح، نعمل، ونقاتل، ونموت، وبهذه الروح نخلق لهذه الأمة تاريخاً جديداً. ■
المصدر : البناء – العدد الخاص – أول آذار 1960.
02-رسالة الزعيم الى حميد فرنجية
الدكتور محمود شريح
من سجن الرمل المركزي في بيروت وجّه أنطون سعادة رسالة إلى محاميه حميد فرنجية بتاريخ 10 كانون الأول 1935 [نشرتها صحيفة المعرض لرئيس تحريرها ميشيل زكّور، بتاريخ 25 شباط 1936]، والرسالة على قِصرها [ثلاثةٌ وأربعون سطرًا]، عقدها مؤسِّس الحزب السوري القومي الاجتماعي ومشرّعه وواضع دستوره، مثال ساطع عن أدب نهضويّ لما فيها من خطة فلسفية مُحكمة ومقاييس فكرية صائبة، ليجيبَ عن سؤال مفصلي طرحه على نفسه، وتالياً على أمَّته: "ما الذي جلبَ على شعبي هذا الويل؟"، في عبارة تستمدّ حيويتها من المفكر النهضوي بطرس البستاني الذي ورث عنه سعاده مفهومه أن الحس الوطني ضربٌ من الإيمان، فأطلقه نفيراً قومياً، وعن جبران توسّع في إدراكه المبكر لانتمائه السوري، فرأى فيه سعاده القبس الذي يسبق فجر النهضة القومية الأشمل، وعن الريحاني أمسك سعاده بالثورة الدائمة.
استهلّ سعاده رسالته بالإشارة إلى ما ذاقَه هو نفسه وما ذاقَه شعبه من ويلٍ وما مُني به هو وشعبه من عذاب، فلجأ إلى البحث عن جواب لهذا السؤال عن حل للمعضلة السياسية المُزمنة التي تدفع شعبه من ضيق إلى ضيق فلا تنقذه من دُبّ إلا لتوقعه في جُبّ فمن تهلكة إلى تهلكة، في إشارة واضحة إلى جُبّ الأُسود، البئر البعيدة القعر التي ألقى فيها الملكُ داريوس النبيَّ دانيال فأرسل الربّ ملاكاً سدّ أفواه الأُسود وأنقذه من ورطته، أي الخروج من التفسّخ الروحي إلى عقيدة واضحة لتحقيق وحدة الذات القومية، أي الأنا الكلية، هو الذي سافر من مسقطه عام 1920 وقد بُعثت الأحقاد المذهبية من مراقدها والأمّة لمّا تدفن أشلاءها، فلم يجد الحال في المهجر إلّا بأحسن قليلاً، فانقسم المهاجرون، وكلّهم سوريّون، إلى شِيَعٍ مُتنافِرة، وخضعتْ فئةٌ كبيرةٌ منهم للنعرات المذهبيّة، "فنشأتْ هناك أيضاً الفكرة اللبنانيّة التي هي نتيجة بقاء زعامة المؤسّسات الدينيّة وسلطانها ونفوذها".
عنوانُ رسالة سعاده إلى حميد فرنجيّة دلالةٌ على وعي مؤسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي لِمَا رَمى إليه: "بسطٌ وإيضاحٌ في ما دفعَني إلى إنشاء الحزب السوري القومي"، إذ لجأَ إلى مُفردة بَسَطَ بمعنى أذاع ونَشرَ وجهرَ بسرٍّ، وإلى مُفردة وَضَحَ بمعنى أزالَ ما غَمُضَ وأبانَ وجَلَا، وبعنوانه المُقتضَب هذا كشفَ الزعيم لمحاميه عن الغاية من تأسيس حزبه: "حريّة أُمّتي واستقلال شعبي في بلادي"، كما أن من الدب إلى الجب عنوان قصة للأديب الهجري عبد المسيح حداد [1882 – 1963] صاحب السائح، في كتابه حكايات المهجر، مفادها الانزياح من خسارة إلى خسارة، ولربما كان سعاده قرأها في المهجر، وفي رسالته هنا إشارة إلى التخبّط الروحي والانتقال من إفلاس فكري إلى إفلاس فكري آخر.
وعليه، كان هنا فاتحة عهد درسِه المسألة القومية "ومسألة الجماعات عموماً والحقوق الاجتماعية وكيفية نشوئها"، ولا عجب أن ينصرف سعاده وهو في سجن الرمل، إلى دراسة أهمية معنى الأمة، وتعقّده في العوامل المتعددة التي تنمو نموّها الطبيعي في ذهنه، فخرج من سجن الرمل للمرة الأولى وبيده سِفرُه الجليل نشوء الأمم* الذي رأى فيه هشام شرابي أنه من أهم مؤلّفات علم الاجتماع في اللغة العربية بعد انقطاع التراث عنه منذ مقدّمة ابن خلدون. فجاء نشوء الأمم* [نشره الزعيم عام 1938] بحثاً وافياً في أصول تكوين الأمم وتصوّر الجماعات البشرية في بيئتها الجغرافية، مضيئاً على دور الكنعانيين في إرساء قاعدة الوطن والارتباط الاجتماعي الحاصل في الأمة، فكان ذلك تالياً الظاهرة القومية الأولى التي نشرتْ المدنية على ضفاف الساحل السوري.
كان سعاده في الحادية والثلاثين حين وجّه رسالته إلى محاميه حميد فرنجية وهو في الثامنة والعشرين، نائباً آنذاك في البرلمان اللبناني إثر تخرّجه في الحقوق من جامعة القديس يوسف عام 1930، لكن رسالة سعاده أساساً ليست دفاعاً عن نفسه أمام محاميه قدر ما هي شَرحٌ في مفاهيم حزبه وقولٌ فصلٌ في تعيينه موقفه بالنسبة إلى موقف المتزعّمين السياسيين من "بني قومي بأن موقفي أخذ يتجه رويداً رويداً حتى ثبت على الأساس القومي، بينما موقفهم كان ولم يزلْ على الأساس السياسي، والسياسة من أجل السياسة لا يمكن أن تكون عملاً قومياً". وبناءً على مقولته هذه يؤسِّس سعاده موقفه باختطاطِ طريق نهضة قومية جديدة تكفلُ تصفية العقائد القومية وتحديدها وتوليد العصبية الضرورية للتعاون القومي في سبيل التقدم والدفاع عن الحقوق والمصلحة القومية، فتوصَّل إلى "تعيين أمتي تعييناً مضبوطاً بالعلوم المتقدمة"، وأن هذا التعيين "هو حجرُ الزاوية للبناء القومي".
بعد هذه المقدمة الغنيّة فكراً في رسالته إلى محاميه يُبسط سعاده الوسائل التي تؤمّن حماية النهضة القومية الجديدة، وعليه يُخبرُه أنه أسّس حزبه ووحّد فيه العقائد القومية في عقيدة واحدة هي "سورية للسوريين والسوريون أمّة تامة" وأنه وضع مبادئ حزبه الإصلاحية مثل فصل الدين عن الدولة، وجعل الإنتاج أساس توزيع الثروة والعمل، وإيجاد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمّة والوطن.
يقرّ سعاده في رسالته التاريخية هذه بأنه اتخذ لحزبه في البدء صفة السرية صيانة من هجمات الفئات التي تخشى نشوءه ونموّه ومن السلطات التي قد لا ترغب في وجوده، وأنه أسّس الحزب بصرف النظر عن وجود الانتداب أو عدم وجوده، مشيراً إلى أن الحزب لم ينشأ خصيصاً لأن الانتداب موجود، بل لجعل الأمّة السورية موحّدة وصاحبة السياسة على نفسها والإرادة في تقرير مصيرها، مُستنداً إلى أن الانتداب عارضٌ، وعليه فإن النظر في موقفه وموقف الحزب منه يأتي في الدرجة الثانية، أي الطور الثاني. فالحزب ليس مؤسساً إلا على مبدأ القومية، وأنه إذا كانت المسألة القومية تتجه بطبيعتها نحو تنازع البقاء بين السيادة القومية والانتداب، فذلك أمرٌ من طبيعة القومية وطبيعة الانتداب.
أشار سعاده بوضوح في ثنيّات رسالته إلى قضية حزبية مركزية إذ أعلن بإيجاز أنه جعل للحزب نظاماً فردياً في الدرجة الأولى مُتسلسلاً منعاً للفوضى في داخله واتقاءَ نشوء المنافسات والخصومات والمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية، وبغرض تنمية فضائل النظام والواجب.
الرسالة، على قِصَرها، تفصيلٌ موجزٌ في شرح العقيدة والغرض من تأسيس الحزب بترسّل علمي يتخذ صفة التسلسل المنطقي، بأسلوب يتسم بدقة التعبير واختزال المضمون بمعنىً مُقتصدٍ ومُوحٍ، وإحاطة ملمّة بالمقصود، فيقارن، ويقابل، ويعارض ويوازي، وينفي بإيجاب ويثبتُ بسلب، فالزعيم، بجزالة بيان، وغور بديع، يبني مقولة ما على نفي أمر من جهة، وإثباته من جهة أخرى.
في محاضرته الثالثة بتاريخ 25/12/1948 أعلنَ سعاده أن رسالته الموجزة هذه إلى محاميه لهي استمرارٌ في شرحِ مبادئ الحزب وغايته "الذي ابتدأ بخطاب 1935" [أول حزيران] مُلحّاً على أنه في رسالته هذه تَظهر الصفة الاجتماعية التي تشتمل عليها مبادئ الحزب "ظهوراً جلياً"، ومؤكّداً أنه من ابتداء هذه الرسالة "يشعر الفاهمُ المدقِّق أنه يواجه قضية حزبٍ من نوع فلسفي عميق"، ومن هنا ابتدأ سعاده رسالته بسؤال بسيط الغرض منه البحث عن الأسباب التي أخضعت الشعب السوري لإرادة غير إرادته، وقادته إلى ما قادته، ولم يقصد الإجابة على هذا السؤال بغرض المعرفة العلمية فحسب، "بل من أجل تعيين الأهداف بالعقل وإنقاذ الأمّة من العوامل العمياء التي لا فهم ولا إرادة لها فيها".
من بدايتها حتى نهايتها الرسالة بسطٌ وإيضاحٌ في ما دفع سعادة إلى إنشاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، ردّاً على ما مُني به شعبه من ويل، وما ذاقه هو نفسه وذاقه شعبه إبان الحرب الكبرى عام 1914 وما تلاها حتى سفره عام 1920 فأدرك الويل نفسه جرّاء المعضلة السياسية المزمنة التي أودت باستقلال شعبه وحرية أمته، في الوطن وفي المهجر على السواء، نتيجة الانقسامات السياسية الوافدة أصلاً من النعرات المذهبية، فلا عجب أن يذكِّر سعاده محاميه وقارئه بمبدئه الإصلاحي القائل بفصل الدين عن الدولة، أي الطريق السلطانية إلى النهضة القومية.
رسالة سعاده من سجنه وثيقة أساسية في مسيرة الحزب، ليس لندرة فنّ صوغها وغور بيانها وجزالة فصاحتها فحسب، بل لأنها أيضاً، وفي آن، قولُ سعاده الفصلُ في ما جرّ الويل على شعبه، حتى الساعة.
03-محاضرة الزعيم الأولى بعد 78 سنة
شحادة الغاوي
في العدد الأول من هذه المجلة الألكتروية، النظام
الجديد، لم أجد أحوج من إعادة استحضار مضمون المحاضرة الأولى من المحاضرات العشر
لسعاده، التي أُلقيت منذ 78 سنة، أي في 7 كانون الثاني 1948.
بعد تلك المحاضرة بسنة ونصف تماماّ إستُشهِد سعاده.
وبعدها ب 78 سنة، وعلى مدى تلك السنوات الطوال، ما انتهت صلاحيتها، ولا كلمة منها!
إمّا لماذا نحن نحتاج اليوم الى إعادة قراءتها وفهمها،
فلأن واقعنا اليوم هو نفسه واقع البلاد والحزب يوم إلقائها.
لفهم الخطاب، أي خطاب، مقالة أو محاضرة أو خطبة أو تصريح
من أي نوع، يجب أولاّ فهم ظروفه ومناسبة الإدلاء به. أي يجب فهم الحالة السياسية
والإجتماعية والثقافية، كما الحزبية، يوم ذاك. ويجب أيضاً فهم المتلقّين، فهم
مستواهم الثقافي والعلمي ونوع إهتماماتهم وحاجاتهم المادية والروحية التي لا بد لصاحب
الخطاب أن بتفاعل معها.
وأخيراً يجب فهم صاحب الخطاب ودوافعه وأهدافه ووظيفته
و... عقيدته.
إذا كنّا نفهم كل ذلك، أو معظمه، نستطيع أن نفهم الخطاب
ونستطيع أن نستفيد منه، كما إن الخطاب يستطيع أن يخرّكنا ويغيّر فينا شيئاً
ويجعلنا نُقدِم ونبادر ونفعل ولا نكتفي بالإستماع والتصفيق.
المحاضرة الأولى تلك ألقيت سنتين فقط بعد إنتهاء الحرب
العالمية الثانية التي لم تكن إرتداداتها قد توقفت بعد، ولن تتوقف قبل إندلاع حرب
عالمية أخرى أو حدث كبير يلغي نتائجها، أي إن تلك الإرتدادات ستستمر لوقت طويل.
تلك الحرب التي أوت بملايين الناس قبل أن تتوقف عسكرياً إستمرّت
حرب مفاهيم وأفكار وثقافة وسياسة وإقتصاد.
إن معرفة وفهم تلك الظروف يساعدنا على فهم المحاضرة
الأولى، كما فهم رسالة سعاده الى القوميين الإجتماعيين بتاريخ 10-1 -1947 والتي
ذكرها في المحاضرة الأولى، وقال فيها:
"في كل هذه المدة الطويلة، وبعد كل هذه المحن
العظيمة، لم يضعف إيماننا بل قوي، ايمانكم بي وإيماني بكم. آمنتم بي معلماً
وهادياً للأمة والناس ومخططاً وبانياً للمجتمع الجديد وقائداً للقوات الجديدة
الناهضة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا الجديدة الى النصر. وآمنت بكم أمة مثالية
معلمة وهادية للامم، بنّاءة للمجتمع الإنساني الجديد، قائدة لقوات التجدد الإنساني
بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحيية وضياءها المنير الى الأمم
جميعها، داعية الأمم الى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده
وعقيدة تفسيره من الجهة الأخرى بالمبدأ المادي وحده، والإقلاع عن إعتبار العالم
عالم حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، والى التسليم معنا بأن أساس
الإرتقاء الإنساني هو أساس روحي مادي(مدرحي) وأن الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك
هذا الأساس وتشيّد صرح مستقبلها عليه. ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن
الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها."
"إن العالم الذي أدرك الآن بعد الحرب العالمية
الأخيرة مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام الفلسفات الجزئية الخصوصية، الفلسفات
الأنانية التي تريد أن تحيا بالتخريب، فلسفة الرأسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية
الجامحة التي انتهت في الأخير بالإتحاد مع صنوها المادية الرأسمالية بقصد نفي
الروح من العالم، وفلسفة الروح الفاشية وصنوها الإشتراكية القومية (النازية)
المحتكرة الروح، الرامية الى السيطرة به سيطرة مطلقة على أمم العالم وشؤونها. هذا
العالم يحتاج اليوم الى فلسفة جديدة تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضلالها، وهذه
الفلسفة الجديدة التي يحتاج إليها العالم، فلسفة التفاعل الموحّد الجامع القوى
الإنسانية، هي الفلسفة التي تقدمها نهضتكم" (الاعمال ج 7 ص 180).
في المحاضرة الأولى ذكّر سعاده رفقاءه بهذه الرسالة، حيث
هم كانوا غافلين عنها وعن ما تعنيه لهم وغفلوا عن "الأمر الخطير" الذي
تعاقدوا عليه معه وابتعدوا كثيراً عنه. وأعاد على مسامعهم القول:
"إن حالة أمتنا ووطننا الحاضرة لا تزال الحالة
عينها التي تستدعي التوجه بالكلية الى مزية أولية أساسية من مزايا حزبكم ونهضتكم
العظيمة، أعني مزية البطولة المؤمنة. فإن أزمنة مليئة بالصعاب والمحن تأتي على
الأمم الحية فلا يكون لها إنقاذ منها الّا بالبطولة المؤمنة المؤيدة بصحة العقيدة،
فإذا تركت أمّة ما إعتماد البطولة في الفصل في مصيرها، قررته الحوادث الجارية والإرادات
الغريبة."
ذكّر سعاده رفقاءه الغافلين بأن قوتهم الحقيقية هي في
داخلهم وليست "في المتقربين إليكم في طور نموكم" بعد زوال كابوس
الإحتلال العسكري الأجنبي، إن قوتكم هي "في بطولتكم المثبتة في حوادث تاريخ
حزبكم وفي عناصر رئيسية هي: صحة العقيدة وشدة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء
العزيمة".
إننا إذ ستحضر اليوم هذه الأقوال ومعانيها فلأننا نرى أن
حالة أمتنا ووطننا "لا تزال هي الحالة عينها" يوم قيلت.
إذاً، انطلق سعاده في محاضرته من "حالة أمتنا
الحاضرة"، يومذاك، أولاً، وثانياً أيضاً من حالة الحزب الحاضرة. والحالتان
ليستا سليمتين.
الأولى لم يكن
يحتاج لشرحها ولا لأعادة ذكر النتائج الوبيلة التي ألقت بثقلها على سورية، فهذه
كانت راهنة وحاضرة والناس يتداولونها ويتداولون قرارات الأمم المنتصرة في الحرب
التي اقتسمت بلادنا وتعاملت معنا كسبايا أو أملاك خاصة بها، هذه كانت بائنة وظاهرة
ومخيّمة على سورية ومطبِقة عليها كلّياً.
أمّا الثانية فكانت بحاجة للتنبيه منها ولشرحها
ولتشريحها وقد استفاض سعاده بذلك وتحدث عن "الإنحرافات التي نشأت" (ص 8)
وعن "خروجاً أساسياً عن نظام الحزب" (ص6) وقال إنه "لا بد من الإعتراف أنه كان في
الدوائر العليا تفسّخ في الأفكار والروحية وفي النظر الى الحركة ومراميها" (ص
2)، الى أن يصل الى القول:
"لم يكن الأمر يقف عند هذا الحد. فإن استغرابي بلغ
حدّاً عالياً عندما وجدت أن أعضاء في الحزب السوري القومي الإجتماعي يدّعون أنهم
قوميين إجتماعيين لأنهم مسجلون رسميّاً في الحزب يتقوّلون في قضايا الحزب والعقيدة
والحركة كما لو كانوا جماعة غرباء عن الحركة القومية الإجتماعية بالكلية. النظامية
الفكرية والروحية والمناقبية التي كانت العامل الأساسي الأول في نشوء النهضة
القومية الإجتماعية وتولّد هذه الحركة العظيمة الآخذة في تغيير نفسية هذه الأمة
ومصيرها، كادت تنعدم في دوائر الحزب العليا بعامل الإهمال وأصبحت الحركة مهددة
بالميعان العقائدي والنظامي" (ص 5). إن أكثر ما تحدث الزعيم في خطابه عن تلك
"الإتجاهات الإنحرافية" مشرّحاً
إياها ومسدداً للقواعد الصحيحة للعقيدة والنظام القوميين الإجتماعيين، كان عن
مسألتي "الواقع اللبناني" وقيم الحق والخير والجمال كما تراها النظرة
الليبرالية الفردية، مقابل النظرة القومية الإجتماعية إليها.
نحن إذ نشاهد "حالة أمتنا ووطننا الحاضرة"، اليوم،
وإذ نشاهد حالة الحزب والحركة والنهضة والعقيدة والنظام بعد 78 سنة من تلك
المحاضرة، نشعر بمرارة أنه لا شيء قد تغيّر للأفضل بل نرى بوضوح تام أننا تقهقرنا
كثيراً جداً الى الوراء.
إن "الخروج عن معنى الأمة الذي نفهمه" (ص 5)
تحت مقولة وشعار "الواقع اللبناني" سنة 1947 قد أطلّ اليوم هو نفسه بعد
هذه السنين الطوال تحت مقولة وشعار "لبنان والمنطقة"، وفي أحسن الأحوال
"لبنان والأمة" وكأن هذه الأمة لا إسم لها. وأيضاً تحت مقولة وشعار
"وطنياً وقومياً"، كأن هناك فرقاً بين الوطني والقومي، كأن الوطني هو
لبناني حصراً والقومي هو ما يقع خارج لبنان!! وصولاً الى تغييب إسم سورية بالمرّة
والقفز فوقه وتبني شعار "عروبة لبنان" حسب المفهوم العروبي الوهمي
الفوضوي حيث القومية العربية تحتوي عدّة أوطان وكل وطن من هذه الأوطان العربية
يحتوي عدّة قوميات!! وهذا لا يعني إلّا تغييباً كلّياً للمبدأ الثالث من مبادىء
الحركة السورية القومية الإجتماعية الذي يقول بأن القضية السورية هي قضية الأمة
السورية والوطن السوري.
إن الفرق الوحيد بين اليوم والأمس هو أنه في الأمس كان
الزعيم حاضراً بكامل صلاحياته الدستورية وكل زعامته العقائدية والنظامية وكل
إرادته الصلبة التي لا تلين ولا تلتوي ولا تساوم... أمّا اليوم فنحن نفتقد الزعيم
وسلطته المادية العملية، وليس عندنا من يتناول سوطه ويقلب طاولات بياعي الدجاج
والبيض والخردة وممارسي الصيرفة والسمسرة والبيع والشراء ويقول لهم:
بيتي بيت النهضة والعقيدة والنظام والصراع يُدعى وقد
جعلتموه مرتعاً "للفوضى في داخله
ونشوء الإنقسامات والخصومات والتحزبات والمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية
والإجتماعية" (اعمال ج 8 ص 32).
إن هذه الأمراض السياسية والإجتماعية أدّت اليوم الى
الإنقسام والتلاشي والتبدد، ولا زال المصابون بها يمعنون في تمزيق الحزب وتهجير
أعضائه وإمكانياته العلمية والفكرية والثقافية، وهذه جريمة موصوفة يرتكبها من لا
يزال يتمسك بحجج ومجادلات ومماحكات فقدت صلاحيتها من زمان.
إن هذه الأمراض السياسية والإجتماعية، والأخلاقية، كان
سعاده قد عالجها وقضى عليها بنظامه الجديد المتين إذ أعلن:
"... نظامنا الذي يضمن وحدتنا ويمنع عوامل القسمة
المتفشية خارج الحزب من التسرب الى وحدتنا المتينة التي نضحي في سبيلها بكل ما
تطلبه منا التضحية" (من الخطاب المنهاجي الأول).
إن المصابين بالأمراض السياسية والإجتماعية، بياعي
الدجاج والبيض والخردة وممارسي الصيرفة والبيع والشراء، نراهم اليوم يضحّون بالحزب
بدل التضحية في سبيله. يضحّون بالحزب ووحدته ووظيفته وغايته السامية والمقدسة في
سبيل أمراضهم، بدل التضحية بمواقعهم ومصالحهم وإعتباراتهم الوضيعة في سبيله.
إنهم يخونون سعاده.
يا أنتم, يا رؤساء هذه الأحزاب الفاشلة التي تقود الحزب
الى التبدد، إذا كنتم تعتبرون أنفسكم أبرياء من تهمة الخيانة بادروا فوراً الى
تقديم إستقالاتكم واعترفوا بفشلكم وإساءاتكم ومسؤولياتكم عن نحر الحزب وتقطيعه
وتهجير أعضائه منه، واعتذروا الى جموع القوميين الإجتماعيين علّ هؤلاء يغفرون لكم
ويعفون عنكم...
04-الخطاب المنهاجي الأول: إعلان السيادة القومية
الدكتور علي حمية
في الأوَّل من
يونيو/حزيران 1935، وفي بيروت ، على شاطئ البحر السوري (المتوسط)، وبعد ثلاث سنوات
على تأسيس ما عُرف، لاحقاً، باسم "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، عُقد
اجتماعٌ عام ضمَّ مئات الشباب والشابات من جميع المناطق السورية حيث كان القوميون
الإجتماعيون على موعدٍ مع زعيم حزبهم. وفي هذا الإجتماع الحزبي العام الأوَّل،
والذي عُقد في منزل أحد مسؤولي الحزب (نعمة تابت)، تعرَّف الأعضاء إلى سعادة كزعيم
للحزب، بعد أن كانت ظروف العمل الحزبي السرّي إبّان عهد الإنتداب لا تسمح باللقاء
العام المباشر.
ففي هذا
الإجتماع الإستثنائي من تاريخنا، ألقى أنطون سعادة، مؤسّس الحزب الجديد، خطاباً
تاريخياً تضمَّن اوَّل شرحٍ تعليمي لمبادئ الحزب وأهدافه العليا. إنّ ما أعلنه
سعادة في خطابه هذا، هو من الوثائق والتعاليم الأساسية التي تمسَّك بها القوميون
الإجتماعيون وقد أوضح سعادة أهميته في أكثر من مناسبة وفي أكثر من خطبة. وقد اعتمد
المفكِّرون والكتّاب وطلّاب الجامعات هذا الخطاب ـ الوثيقة مرجعاً أساسياً في
أبحاثهم عن الدعوة الجديدة والحزب الجديد.
في هذا
الإجتماع "التوجيهي"، ردَّ سعادة على الذين رموا الحزب بتهمة العمل
لمصلحة أجنبية، علماً أنه حارب الدعوات الأجنبية ووضع قواعد الإستقلال الفكري وربط
مصير الأمة بإرادتها هي بعد أن كانت مربوطة "بالإرادات الأجنبية" وكان
سعادة، وفي خطابه هذا أوَّل من استعمل عبارة "ارادات أجنبية".
بدأ الزعيم
خطابه بالتأكيد على أن العقيدة القومية الإجتماعية التي تجمع بين "الأفكار
والعواطف" وتلم شمل الشباب، المعرَّض للتفرقة، وتكوِّن من هذا
"الجمع" وهذا "اللم" نظاماً جديداً هو نظام الحزب السوري
القومي الإجتماعي.
وبالإشارة إلى
فكرة القومية السامية التي يقوم عليها الحزب السوري القومي الإجتماعي، أعلن سعادة
أن هذه الفكرة هي فكرة أصلية منبثقة من حاجة الأمة ومصالحها الأساسية، وأن الذين
يريدون مناقشة الحزب القومي أفكاره، عليهم أن يعودوا إلى النصوص التي تظهر سياسة
الحزب العامة لا أن يستندوا إلى تلفيقات الرجعيين وعبيد "الإرادات
الأجنبية" الذين تؤذيهم رؤية الأمة تنهض من غفلتها لتحاسب الذين باعوا
ميراثها القومي واقتسموا ثيابها بالقرعة.
منذ تلك
الساعة، انبثق الفجر من الليل، وخرجت الحركة من الجمود، وانطلقت من وراء الفوضى
قوة النظام وأصبحنا أمّة بعد أن كنا قطعاناً بشرية، وغدونا دولة تقوم على أربع
دعائم هي الحرية، الواجب، النظام، القوة، التي ترمز إليها أربعة أطراف الزوبعة
الحمراء. منذ تلك الساعة نقضنا حكم التاريخ وبدأنا تاريخنا الصحيح، تاريخ الحزب
السوري القومي الإجتماعي، تاريخ الأمة السورية الحقيقي.
وقد حدَّد سعادة في هذا الخطاب نقاطاً هامة في
موضوع السيادة القومية يمكن ترتيبها كما يلي :
1- الحالة الإجتماعية ـ السياسية في البلاد السورية كلها، بجميع
كياناتها، والتي تجعل النظام السياسي القائم في البلاد نظاماً أساسه البيوتات
والعائلات الكبيرة بالمعنى الرجعي. وقد أوضح الزعيم هذه الفكرة لاحقاً في كتابه
"الصراع الفكري في الأدب السوري" حيث قال أنها "حالة القرون
الوسطى". لقد تزعم جماعة تململ الشعب وجعلوا همهم استثمار هذا التململ
لينالوا مكانة يطمعون بها، واستندوا في تزعمهم إلى بقية نفوذ عائلي مستمد من مبادئ
زمن عتيق، تجعل الشعب قطائع موقوفة على عائلات معينة تبذل مصالح الشعب في سبيل
نفوذها. فالعائلات الكبيرة لا تزال هي القوى المسيطرة في البلاد السورية، وهي التي
تساعد على التجزئة القومية.
2- حالة التزعُّم والولع السائدة لدى أولئك المتزعّمين باستعمال
معانٍ مطلقة لمفردات أساسية للحياة السورية وسؤددها وسيادتها بلا وضوح
كـ "الحرية"
مثلاً بلا تحديد لمعنى الحرية وذلك للتغرير بالشعب واستغلاله
3- في مواجهة الحالة العائلية والعشائرية والطائفية والمذهبية
المسيطرة على البلاد، فإن إعلان الإرادة القومية العامة، والتي يعبر عنها الحزب،
هي التي أصبحت تقرر شؤون الأمة والوطن .
4 - التصريح بأن نظام الحزب لا يقوم على التقليد، بل على الإبتكار
الأصلي الذي هو من مزايا شعبنا.
إن خطاب أول
حزيران 1935 هو من الوثائق والتعاليم الأساسية في الحركة السورية القومية
الإجتماعية لأن مضامينه أوضحت قيمته بالقضايا الخطيرة التي عالجها .
إن مسألة
الحزب السوري القومي الإجتماعي، إذن، ليست مسألة حزب سياسي، بالمعنى الإعتيادي، أي
حزب يتكتل فيه أشخاص أو مصالح معينة تعمل لبلوغ غاياتها وأغراضها، بل أنّ هذا
الحزب يشكل قضية خطيرة هي قضية الآفاق للمجتمع الإنساني، الذي نحن (السوريون) نشكل
جزءاً منه.
لم يكن للشعب
السوري، قبل تكوين الحزب السوري القومي الإجتماعي، قضية قومية بالمعنى الصحيح، كل
ما كان هنالك، تململ من حالات غير طبيعية لا يمكن للشعب السوري أن يأنس إليها، أو
يجد فيها سداً لحاجاته الحيوية.
ففي هذا الزمن
الذي هو زمن تنازع الأمم البقاء، وفي هذا الوقت الحرج وشعبنا تعمل فيه عوامل
الفساد والتجزئة والملاشاة القومية، انبثق الحزب السوري القومي الإجتماعي كما
ينبثق الفجر من أشد ساعات الليل حلكاً ليعلن مبدءاً جديداً هو مبدأ الإرادة ـ
إرادة شعب حي يريد سيادته على نفسه ووطنه ليحقق مثله العليا ، مبدأ أن المباديء
توجد للشعوب لا الشعوب للمبادئ.
أن الغرض
الأسمى الذي أنشيء له هذا الحزب هو جعل الأمة السورية هي صاحبة السيادة على نفسها
ووطنها. فقبل وجود الحزب، كان مصير السوريين معلقاً على إرادات خارجية، أما الآن
فقد غير وجود الحزب الموقف. إن إرادتنا نحن هي التي تقرر دفة الأمور، وهي التي
تقرر كل شيء، فنحن نقف على أرجلنا وندافع عن حقنا في الحياة بقوتنا. كل عضو في
الحزب يشعر أنه آخذ في التحرر من السيادة الأجنبية لأنه يشعر أن الحزب هو بمثابة
دولته المستقلة التي لا تستمد قوتها من انتداب ولا تستند إلى نفوذ خارجي، وقضية من
هذا النوع تحتاج لفهمها والى درسٍ طويل، ويستمر الفكر يتغذى منها ويتفتح بها على
شؤون العالم.
إننا حررنا
أنفسنا، ضمن الحزب، من السيادة الأجنبية، يضيف سعادة في خطابه التأسيسي، وبقي
علينا أن ننقذ أمتنا بأسرها وأن نحرر وطننا بكامله. وفي هذا العمل الخطير، نواجه
صعوبات داخلية وخارجية يجب أن نتغلب عليها مبتدئين بالأوَّل منها، لأنه لا يمكننا
أن نتغلَّب على الصعوبات الخارجية إلا بعد أن نكون قد تغلَّبنا على الصعوبات
الداخلية. وفي هذا الصراع بين عوامل الرجعة وعوامل التجدّد نؤمن بانتصار القوة الجديدة،
القوة التي تريد أن تتغلب على كل ما يقف في طريقها للخروج من حالة عفنة لا نظام
فيها ولا قوة إلى حالة صحيحة عنوانها النظام وشعارها القوة الممثلة في الحزب
السوري القومي الإجتماعي.
ويخصص الزعيم
فقرة في خطابه عن هوية الحزب، نظام الحزب، فيقول أن نظام الحزب ليس نظاماً هتلرياً
ولا نظاماً فاشياً بل هو نظام سوري بحت لا يقوم على التقليد الذي لا يفيد شيئاً بل
على الإبتكار الأصلي الذي هو من مزايا شعبنا. إنه نظام لم يوضع على قواعد تراكميّة
بل على قواعد حيوية تأخذ الأفراد إلى النظام وتفسح أمامهم مجال التطور والنمو كل
حسب مؤهلاته ومواهبه.
ليست القومية
إلا ثقة القوم بأنفسهم واعتماد الأمة على نفسها، و"إن مبدأ الأمة السورية
هيئة إجتماعية واحدة، مبدأ يجب أن يتغلغل في أعماق نفوسناً . وعليه، فإن سعادة
توقف عند مبدأ عام وسائد في التاريخ هو أن مصير سورية يقرر بالمساومات الخارجية
دون أن يكون للأمة السورية شأن فعليّ فيه. وعلى هذا المبدأ تعتمد الدول الكبرى في
مزاحمتها لبسط نفوذها علينا. إن إنشاء الحزب ونموه المستمر سيتكفلان بطرد مثل هذه
الوساوس من رؤوس السياسيين الطامعين. فمنذ الساعة التي عقدنا فيها القلوب والقبضات
على الوقوف معاً والسقوط معاً وضعنا أيدينا على المحراث ووجهنا نظرنا إلى الأمام
وصرنا جماعة واحدة، امة حية تريد الحياة الحرة الجميلة ـ أمة تحب الحياة لأنها تحب
الحرية وتحب الموت متى كان الموت طريقاً للحياة.
إن مبدأ
"سورية للسوريين والسوريون أمة تامة" آخذٌ في تحرير نفسيتنا من قيود
الخوف وفقدان الثقة بالنفس والتسليم للإرادات الخارجية. ليست القومية إلا ثقة
القوم بأنفسهم واعتماد الأمة على نفسها. وإن مبدأ "إلغاء الإقطاع وتنظيم
الإقتصاد القومي على أساس الإنتاج" مبدأ تقرَّر ليقوم عليه بناء نجاحنا
الإقتصادي الذي لا بد منه لتوفير القوة المادية والحياة الصحيحة لمجموع الأمة.
أما الصعوبات
الخارجية، فمصيرها مرتبط بالصعوبات الداخلية، فتهون الثانية (الخارجية) متى تغلبنا
على الأولى (الداخلية).
ويختم سعادة
خطابه بالتحذير من الدعاية الإيطالية والألمانية، فيقول "إننا نشعر بوجود
دعاية إيطالية قوية في هذه البلاد (سورية) خصوصاً وفي الشرق الأدنى عمو ماً، كذلك
نشعر بوجود مثل هذه الدعاية من جهة ألمانيا، وبمثل ذلك من دولٍ أخرى.
وهنا يحذر
زعيم الحزب (سعادة) جميع الأعضاء في الحزب من الوقوع فريسة للدعايات الأجنبية
ويقول "إننا نعترف بأن هنالك مصالح تدعو إلى إنشاء علاقات معينة بين سورية
والدول الأجنبية وخصوصاً الأوروبية، ولكننا لا نعترف بمبدأ الدعاية الأجنبية. يجب
أن يبقى الفكر السوري حراً مستقلاً، أما المصالح المشتركة فنحن مستعدون لمصافحة
الأيدي التي تمتد إلينا بنية حسنة صريحة في موقف التفاهم والإتفاق".
يجب على الدول
الأجنبية التي ترغب في إيجاد علاقات ودية ثابتة معنا، يكمل سعادة، أن تعترف في
الدرجة الأولى بحقنا في الحياة وأن تكون مستعدة لاحترام هذا الحق . ويختم سعادة
خطابه قائلا:
"إن
هذه القوة النظامية (الحزب) ستغير وجه التاريخ في الشرق الأدنى، ولقد شاهد أجدادنا
الفاتحين السابقين ومشوا على بقاياهم أما نحن فسنضع حداً للفتوحات"، وسيأتي
يوم وهو قريب، يتابع سعادة في خطابه، يشهد فيه العالم منظراً جديداً وحادثاً
خطيراً: رجالاً متمنطقين بمناطق سوداء على لباس رصاصي، تلمع فوق رؤوسهم حراب
مسنونة، يمشون وراء رايات الزوبعة الحمراء يحملها جبابرة من الجيش فتزحف غابات
الأسنَّة صفوفاً بديعة النظام فتكون إرادة للأمة السورية لا ترد، لأن هذا هو
القضاء والقدر!!
د .جهاد نصري العقل
05-قراءة أولية في : "رسالة الزعيم الثانية للقوميين الاجتماعيية"
المرجع :أنطون سعادة — بوينس آيرس، العاشر من كانون الثاني 1947
أولاً: النص وسياقه
الرسالة، هي من بين أبرز الوثائق الحزبية التاريخية الداخلية، موجّهة من مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى أعضائه، كتبها سعادة من مهجره في الأرجنتين بعد نحو تسع سنوات على مغادرته الوطن سنة 1938 في ما كان يُفترض أن تكون «رحلة اختيارية حدّ مدتها سنتان»، قبل أن تقطع الحرب العالمية الثانية خط عودته إلى الوطن.
المقدمة التي وضعتها «دائرة الإنشاء»، في "عمدة الاذاعة " تكشف أمراً لافتاً: إذ ارتئ بعض أعضاء كلّ من مجلسي الأعلى والعمد عدم نشرها في حينه، فتأجّل النشر ، ثم استُدرك الأمر لاحقاً. هذه الحاشية الإدارية الصغيرة ليست تفصيلاً هامشياً؛ إنها أول مؤشر على حالة "التوتر" الذي تعالجه الرسالة نفسها: التوتر بين قيادةٍ غائبةٍ تتكلم بلغة العقيدة المطلقة، وقيادةٍ حاضرةٍ في الداخل تتعامل مع موازين سياسية مستجدة وأمر واقع مفروض، بعد الحرب العالمية الثانية وفي "مرحلة الاستقلال الاولى" في الكيانين اللبناني والشامي، والأوضاع في مختلف كيانات الأمة .
كُتبت الرسالة في لحظة تاريخية مفصلية من تاريخ الأمة السورية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وجلاء القوات الفرنسية عن "سوريا" ولبنان (1946)، وفي وقت غدت المسألة الفلسطينية في مرحلة "فرض"قرار التقسيم" اللاحقوقي. ومن هذ المنطلق تكون الرسالة توجيهية في سياق إعادة التعريف بموقف وموقع الحركة القومية الاجتماعية المبدئي من تداعيات الحرب على مصير الأمة السورية . خصوصا على صعيد تفتيت الوطن الواحد إلى كيانات ذات "استقلالات" و "سيادات " شكلية متنافرة .
ثانياً: بنية الرسالة
أما من حيث بنية الرسالة فهي تنتظم في أربعة مستويات متداخلة:
1. المستوى الوجداني : وفيه تجديد لعقد الثقة بين الزعيم والمقبلين على دعوته بعد الانقطاع القسري الطويل.
2. المستوى الفلسفي : الذي يتبلور في نقد "الفلسفات الجزئية الخصوصية" وطرح البديل الفلسفي الذي هو الفلسفة القومية الاجتماعية ذات النظرة الشاملة إلى الحياة والكون والفن .
3. المستوى التاريخي– السياسي: وهوقراءة معمقة في أحداث الحرب والجلاء والاستقلال وتداعياتها على وحدة الأمة السورية ومصيرها .
4. المستوى التوجيهي: وعنوانه تحديد أولويات المرحلة، والتحذير من مزالقها، والدعوة إلى "ممارسة البطولة المؤيدة بصحة العقيدة" .
هذا التدرّج الممنهج من الوجداني إلى الفلسفي إلى السياسي إلى العملي ليس تدرجا إنشائيا إنه بناء بلاغي عقلاني محكم يجعل التوجيه العملي في الخاتمة يبدو نتيجة منطقية لمقدمات لقراءت" واقعية ـ استشرافية، وهي تقنية إقناعية فعّالة مستمدة من قواعد عقدية قومية اجتماعية .
ثالثاً: تقييم المضمون الفلسفي
يقدّم سعادة، في هذه الرسالة، العالم بعد الحرب بوصفه ضحية «فلسفات جزئية خصوصية»: الرأسمالية «الخانقة»، والماركسية التي «تقصد نفي الروح من العالم»، والفاشية «المحتكِرة للروح» و«صنوها الاشتراكية القومية». ويرى البديل في «فلسفة التفاعل الموحّد الجامع القوى الإنسانية»، أي المدرحية: الأساس الإنساني "الروحي–المادي" المتفاعل معاً.
رابعا: تقييم القراءة التاريخية والسياسية
هنا يبلغ النص أعلى مستوياته التحليلية.من حيث :
• دقة الوصف الحدثي: ويتمحور حول سرد أحداث 1941 وسقوط فرنسا، وخضوعها لحكومة فيشي المتفاهمة مع الألمان، وزحف القوات البريطانية من الجنوب تصحبها قوات "فرنسية حرة" بإمرة ديغول، ومن ثم استسلام قوات فيشي وحلول الجيش البريطاني محل الفرنسي، وهوسردٌ مطابق لما هو معروف تاريخياً، وعلامته البارزة أخذ الدروس والعبر، لما يحفظ مصلحة الأمة العليا .
• التفسير المصلحي للجلاء: أهم ما في الرسالة تحليلياً هو رفضها قراءة الجلاء بوصفه ثمرة نضالٍ محض أو منّة فرنسية، وربطه برغبة البريطانيين ومصالحهم، وختمها بالملاحظة الحادة: «لم يبق للسيطرة البريطانية مزاحم في شرق المتوسط». وهذا تحليل بنيوي واقعي يتقدّم كثيراً على الخطاب الاستقلالي الاحتفالي السائد آنذاك.
• التمييز بين الاستقلال الشكلي والسيادة الفعلية: وهي الأمثلة التي تستعرضها الرسالة من مجموعة من الاستقلالات : استقلال فيصل بن الحسين، استقلال بولونيا بحدود وطنية، استقلال ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا .وهي أمثلة معبرة وذات دلالة زمنية مباشرة خصوصا في تشخيصها بأن الاستقلال بلا سيادة حقيقية «غنيمة باردة لمن يسبق إليها» يليها المثل : «ومن بعدي الطوفان» وهذا أقسى أقسى ما كُتب في نقد لحظة 1943–1946، وأكثره احتفاظاً براهنيته.
• نقد النظام الطائفي والزبائني: ويتناول فيه سعادة توصيف الأحزاب الطائفية بكونها إرثاً استعمارياً يسدّ طريق امتداد الوعي القومي، إلى جميع فئات الشعب وهي منصرفة إلى عملية الشقاق والفتنة ، لاشباع "الشهوات الحادة ومطامع الحكم" بعد رفع الكبت وهو تشخيص يقرأه المراقب اليوم في لبنان، وسائر كيانات الأمة، بشيء من الدهشة لدقّته الاستشرافية.
• الانتقال من نقد النظام إلى نزع الشرعية عن الكيان: هنا المأخذ الأخطر. ينتقل النص من تشخيص صحيح (الترتيبات الطائفية والإقطاعية فاسدة) إلى استنتاج إشكالي (الكيانات ذاتها «نتيجة لا سبب»، والعلّة في نوع الحكم والفوضى السياسية اللاقومية فيها). ثم يرى سعادة أنّ البديل هو في العقيدة القومية الاجتماعية فــ: السيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي موجودان في الحزب، و«مبدأ عضوية الدولة القومية الاجتماعية» متحقق فيه. وهذا استبدالٌ "لشرعية الدولة" المفتعلة بشرعية الحزب، الذي هو الدولة القومية مصغرة، التي تقضي بحلّ المشكلة الطائفية ـ السياسية بإلغاء التعددية السياسية لا بإدارتها ديمقراطياً ؟
• فلسطين: سعادة في هذه الرسالة التاريخية لا ينكر "جميل المساعدة البريطانية" التي أدّت إلى التخلص من الاحتلال الفرنسي لاجزاء من بلادنا، إلا أنّه في المقابل يشدّد على الألم الذي لحق بالأمة نتيجة" المؤامرة البريطانية ـ اليهودية على حقوق السوريين في فلسطين، ومن بيع هذه الحقوق لليهود ظلما وعدوانا"، مؤكدا :انّ فلسطين سورية، ولن نتخلى أبدا عن حقنا فيها ". وهو موقف مبدئي ضمنته العقيدة القومية الاجتماعية في مبادئها الاساسية، وفي غزارة أدبياتها، وسجلته بالدم في نضالات أبنائها .
تستوقفنا الرسالة عند الدرسين المفصلين فيها :
الأول : في الرسالة تأكيد على "المنهاج السياسي" الذي أعلنه سعادة في خطابه في أول حزيران 1935، وهذا دلالة واضحة على ثبات حضرة الزعيم على مبادئه، على نهجه وعلى سياسته القومية الاجتماعية التي لا تتبدّل ولا تتغير حسب الظروف والأحوال، إلا أنّها سياسة مرنة"فقليلة هي التعديلات التي يجب إدخالها عليه"خطاب 1935"، بالنظر إلى الحالة الحاضرة" ، مع تشديده على صلاحية الإدارة العليا في الحزب للعمل على كلّ ما تقدر عليه في ميدان السياسية والدبلوماسية، لأنّ ذلك من اختصاصها، مع تنبيه القوميين الاجتماعين من صرف عقولهم وقلوبهم إلى السياسية والدبلوماسية، حتى لا تكون العاقبة وخيمة . في المقابل دعا القوميين الاجتماعيين إلى ممارسة البطولة المؤيدة بصحة العقيدة، لأنّ لا انقاذ للأمة في الازمنة العصيبة إلا بها "فإذا تركت أمّة ما اعتماد البطولة في الفصل في مصيرها، قررته الحوادث الجارية والإرادات الغريبة".
ثانيا : تؤكد الرسالة بشكل قاطع الايمان المتبادل ـ المتفاعل بين الزعيـم ـ سعادة والقوميين الاجتماعيين؛ هذا الايمان الذي لم يضعف بل قوي بالرغم من بعد المسافة ومدّة الغياب الطويلة، هو ايمان متبادل ؛ إيمان القوميين الاجتماعيين به "معلما وهاديا للأمة والناس، وبانيا للمجتمع الجديد وقائدا للقوات الجديدة الناهضة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا إلى النصر" . ويقابل هذا الايمان : إيمان سعادة باتباعه على أنهم "أمّة مثالية معلمة وهادية للأمم، بناءة للمجتمع الانساني الجديد،قائدة لقوات التجدّد الانساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحيية وضياءها المنير إلى الأمم جميعا.."، وهذا الايمان هو تتويج لقسمي الزعامة والعضوية في الحزب ، وهو الأساس في مبدأ التعاقد بين المؤسس والمقبلين على دعوته ، "..على أن يكون واضع أسس النهضة السورية القومية الاجتماعية زعيم الحزب مدى حياته، وعلى أن يكون معتنقو دعوته ومبادئه أعضاء في الحزب .." .
يختم سعادة رسالته بدرس تعليمي تثقيفي مفاده أنّ "كلّ عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الأولى التي هي : انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها، كلّ ما دون ذلك باطل، وكلّ عقيدة يصيبها الاخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدّد أتباعها". ويهيب بالقومين الاجتماعيين بقوله :
"عوا مهمتكم بكامل خطورتها والهجوا دائما بهذه الحقيقة ـ حقيقة عقيدتكم ومهمتكم ـ حقيقة وجودكم وايمانكم وعملكم وجهادكم . مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب بل خافوا الفشل" .
لعلّ وعسى أن تخترق هذه الرسالة عقول وقلوب وسواعد القوميين الاجتماعيين ويعوا مهمتهم في هذه الظروف العصيبة التي تمرّ بها الأمة، وينالوا رضى سعادة عليهم "ما أعظم رضاي عنكم، وما أشدّ اعتزازي بكم وما أروع الانتصار الذي أسير بكم إليه..، إنّ نفسي تبارككم..أنا معكم ووسطكم بروحي لنتابع إنشاء تاريخنا، وتغيير وجه هذه الأمة، ووجه العالم العربي".
.
06-تصحيح مسار الأسطورة.. إنليل – سعاده
زيد قطريب
ربما استفاد سعاده، من أسطورة الخلق البابلية "الإينوما إيليش"، عندما أسس نهضته القومية الاجتماعية، لأن عبارته المختومة بـ"... لأن هذا هو القضاء والقدر"، تتطابق رمزياً مع "في البدء، لم يكن هناك سماء ولا أرض.."، عندما قام الإله إنليل، بفصل أبويه "آن وكي"، صانعاً السماء من أبيه، وباسطاً أمه "كي"، لتكون الأرض.
لكن "إنليل" أمر لاحقاً بإبادة البشر عبر الطوفان، بعد أن انحرفوا عن غاية الخلق، وأحدثوا جلبةً قضت مضجع الكون الذي كان يرسمه "إنليل" بأناةٍ وغايات لم يدركوها.. كانت تلك الكائنات البشرية، لما تصل بعد إلى مرحلة "الإنسان"، وكان بناؤها يتطلب الكثير من الوقت والجهد، لكن "إنليل" حسم الأمر، وقرر العودة إلى نقطة الصفر، عندما "لم يكن هناك سماء ولا أرض"!.
تعامل إنليل، بمنطق "النخبة"، أما "إنكي"، فلم ينفذ أمر الإبادة كما أوعز إنليل، فتعاطف مع البشر، وأفشى سر الطوفان لـ"أوتنابشتيم"، أو "نوح" لاحقاً، طالباً منه بناء سفينة ضخمة، تضم نخبة من البشر والكائنات، حتى لا تضيع جهود الآلهة الصغار الذين كانوا يعملون تحت إمرة إنليل.
لكن إنليل، أو سعاده، كان يعرف أن البلاء يكمن في النسغ، وأن العودة لنقطة الصفر، أجدى من إنقاذ مجموعة من البشر بالسفينة، بذريعة أنهم نخبة، نظراً لانتشار الفساد والمحسوبيات التي لعبت دورها في تحديد من سيركب السفينة كي ينجو، ومن سيهلك في الطوفان العظيم القادم. فالواضح عملياً أن إنليل تعرض للخيانة من "إنكي"، لأنه لم ينفذ الأمر، ومن يدري، ربما كان هدف من إهلاك البشر، هو إعادة خلق كائناتٍ بإمكانات أفضل وقدرات أعلى، يمكنها استيعاب معنى خلق الكون والغاية منه.
مشت الأمور كما أراد "إنكي"، وولدت عدة أساطير سومرية وبابلية، مع قائمة طويلة من الآلهة الصغار، الذين تناسلوا وصاروا أرباباً لعشائر وقرى وبلدات، وظهر جلياً أن تلك "النخبة" التي أنقذها "إنكي" ببناء السفينة، أنجبت أعداداً هائلة من "العوام"، الذين جاء الطوفان العظيم للخلاص منهم، لكنهم عادوا للظهور اليوم.
ربما كانت خيانة "إنكي" لـ"إنليل" – سعاده، كانت الأولى في التاريخ السوري القديم، لكن سعاده قارىء التاريخ جيداً، كان يعرف أن الأسطورة تقول بأن خلق البشر "الإنسان"، تضم عجينة من نوع خاص، أهمها خلط طين المياه العذبة كما يقول النص البابلي، مع دماء إلهٍ يضحي بنفسه من أجل ذلك الخلق، وللأسف، فعلها سعاده، لكن الملح كان قد فسد، فبماذا نملح؟ إذ على الأرجح تمّ غشّ طين المياه العذبة، واستعاضوا عنها بتربة أرض بور، لم تؤدِ للغاية المرادة من تضحية سعاده بدمه، والسبب كان يكمن في القراءة الخاطئة للتاريخ، التي وقع فيها "إنكي".
ورغم أن سعاده حاول مراراً العودة إلى نقطة "في البدء لم يكن هناك سماء ولا أرض"، كي يبدأ التأسيس من جديد، إلا أنه كان يُواجه دائماً بخيانة "إنكي"، حتى أصبحنا اليوم، أمام أعداد كبيرة من الـ"الإنكي"، الذين مازالوا يدافعون عن فعلتهم في إنقاذ "نخبة" لم تكن "نخبة"، ما يؤكد صدق نبوءة إنليل – سعاده، عندما أصدر أمر الطوفان العظيم.
الآن، على سوريا، من أعالي الفرات حتى مصب الخليج، ومن طوروس وزغروس، حتى سيناء، تصحيح مسار الأسطورة، حتى يستقيم التاريخ. وإلا سيبقى "إنكي" يشكل لجان مشتريات تستورد طيناً من الأراضي البور، ويقبض ثمنها كطينة مجلوبة من ضفاف المياه العذبة، ويكرز من أجلها القرابين.. لقد فسد الملح أيها السادة، فبماذا تملّحون؟.
* نشير في هذا السياق الى مراجع كتاب نشوء الأمم العلمية لكبار المفكرين في العالم ٱنذاك . و سبق ان نشرنا عن هؤلاء المفكرين معلومات مفصلة في الجزء الرابع من الكتاب القومي.